حروفًا ونَغَمًا بالأصابع التي تختلفُ على المزمار فتصوغُه ألحانًا، والمقاطعَ التي ينتهي إليها الصَّوتُ١ بالأبخاش٢ التي في القَصَبة، حتى قيل: إنَّ المزمار إنما اتُّخِذ على مثال ذلك من الإنسان٣.
فإذا تعجَّبتَ من الصِّناعة التي تعملُها أكُفُّ النَّاس حتى تخرجَ منها تلك الأصوات، فما أحراكَ بطول التَّعجُّب من الصِّناعة الإلهيَّة التي أخرجت تلك الحروفَ والأصوات منك، من اللحم والدَّم والعُروق والعظام، ويا بُعْد ما بينهما! ولكنَّ المألوفَ المعتاد لا يقعُ عند النُّفوس موقعَ التَّعجُّب، فإذا رأت ما لا نسبة له إليه أصلًا إلا أنه غريبٌ عندها تلقَّته بالتَّعجُّب وتسبيح الرَّبِّ تعالى٤، وعندها من آياته العجيبة الباهرة ما هو أعظمُ من ذلك مما لا يدركُه القياس.
ثمَّ تأمَّل اختلاف هذه النَّغَمات، وتبايُن هذه الأصوات، مع تشابه الحناجر والحُلُق٥ والألسنة والشِّفاه والأسنان، فمن الذي ميَّز بينها أتمَّ تمييزٍ مع تشابهِ محالِّها سوى الخلَّاق العليم؟!
فصل٦
وفي هذه الآلات مآربُ أخرى ومنافعُ سوى منفعة الكلام:
(١) «تنتهي إليها الأصوات».
(٢) الثقوب والمنافذ. وفي (ح): «بالأنجاش». وانظر ما تقدم (ص: ٧٤٢).
ففي الحَنجَرة مسلكُ النَّسيم البارد الذي يروِّحُ عن الفؤاد١ بهذا النَّفَس الدَّائم المتتابع.
وفي اللسان منفعةُ الذَّوق، فيُذاقُ به الطُّعوم، ويُدْرِكُ لذَّتها، ويميِّز به بينها، فيعرفُ حقيقة كلِّ واحدٍ منها، وفيه مع ذلك معونةٌ٢ على إساغَة الطَّعام وأنه يَلُوكه ويقلِّبه حتى يسهُل مسلكُه في الحَلْق.
وفي الأسنان من المنافع ما هو معلومٌ مِنْ تقطيع الطَّعام كما تقدَّم، وفيها إسنادُ الشَّفتين وإمساكهما عن الاسترخاء وتشويه الصُّورة، ولهذا ترى من سقطت أسنانُه كيف تسترخي شفتاه.
وفي الشَّفتين منافعُ عديدة، يُرْشَفُ بهما الشرابُ حتى يكون الدَّاخلُ منه إلى حَلْقِه بقَدَرٍ، فلا يَشْرَقُ به الشَّارب وينكأ جوفَه٣.
ثمَّ هما بابٌ مغلقٌ على الفم الذي إليه ينتهي ما يخرجُ من الجوف، ومنه يبتدي ما يَلِجُ فيه، فهما غطاءٌ وطابَقٌ عليه، يفتحُهما البوَّابُ متى شاء، ويغلقُهما إذا شاء، وهما أيضًا جمالٌ وزينةٌ للوجه، وفيهما منافعُ أخرُ سوى ذلك. وانظُر إلى من سقطت شَفَتاه ما أشوهَ منظرَه!
فقد بان أنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأعضاء يتصرَّفُ إلى وجوهٍ شتَّى من المنافع والمآرب والمصالح كما تتصرَّفُ الأداةُ الواحدةُ في أعمالٍ شتَّى.
(١) (ن، ح): «على الفؤاد».
(٢) (ح، ن): «وفي ذلك مع معونته».
(٣) (ق): «يتكامل قوته». (د): «ويتكا قوته». (ت): «ويتكافونه». وسقطت من (ح، ن). والعبارة في (ر): «حتى يكون الذي يدخل منه بقصد وقدر لا يثج ثجًّا فيغص به الشارب وينكأ في الجوف». وفي (ض) نحوها.