مفتاح دار السعادة

هذا؛ ولو رأيتَ الدِّماغَ وكُشِفَ لك عن تركيبه وخَلْقِه لرأيتَ العجبَ العُجاب، ولكُشِفَ لك عن تركيبٍ يَحارُ فيه العقل، قد لُفَّ١ بحُجُبٍ وأغشيةٍ بعضها فوق بعض؛ لتصُونه عن الأعراض، وتحفظه عن الاضطراب.

ثمَّ أطبِقَت عليه الجمجُمة بمنزلة الخُوذَة وبَيْضة الحديد٢؛ لتقيه حدَّ الصَّدمة والسَّقطة والضَّربة التي تصلُ إليه، فتتلقَّاها تلك البيضةُ عنه، بمنزلة التي على رأس المحارب.

ثمَّ جُلِّلت تلك الجمجمةُ بالجِلد الذي هو فروةُ الرَّأس تستُر العظمَ من البُروز للمؤذيات.

ثمَّ كُسِيَت تلك الفروةُ حُلَّةً من الشَّعر الوافر وقايةً لها وسترًا من الحرِّ والبرد والأذى وجمالًا وزينةً له.

فسَل المعطِّل: من الذي حصَّن الدِّماغ هذا التَّحصين٣، وقدَّره هذا التقدير، وجعله خِزانةً أودع فيها من المنافع والقوى والعجائب ما أودعَه، ثمَّ أحكَم سدَّ تلك الخزانة، وحصَّنها أتمَّ تحصين، وصانها أعظم صيانة، وجعلها مَعْدِن الحواسِّ والإدراكات؟!

ومن الذي جعل الأجفانَ على العينين كالغِشاء، والأشفارَ كالأشراج٤،

  1. (١) (ح، ن): «كف».
  2. (٢) الخُوذة وبيضة الحديد: المِغْفَر الذي يجعلُ على رأس المحارب.
  3. (٣) (ت): «من الذي خص الدماغ هذا التخصيص».
  4. (٤) الأشفار: جمع شَفْر، وشَفْر الجفن: حرفُه الذي ينبت عليه الهُدْب. والأشراج: جمع شَرَج، وهي عُرا الخِباء ونحوه، وعروة الثوب: مدخلُ زِرِّه. «اللسان» (شفر، شرج، عري). ولم تحرر في الأصول. (د): «كالأشراح». (ن، ح): «كالأسراج». (ق): «كالأسراح». (ت): «كالسراج». والمثبت من (ر، ض)، ووجهُ التشبيه عليه ظاهر.
767

والأهدابَ١ كالرُّفوف عليها إذا انفتحت؟!

ومن الذي ركَّب طبقاتها المختلفة طبقةً فوق طبقةٍ حتى بلغت عدد السَّموات سبعًا، وجعل لكلِّ طبقةٍ منفعةً وفائدة، فلو اختلَّت طبقةٌ منها لاختلَّ البصر؟!

ومن شقَّهما في الوجه أحسنَ شقٍّ٢، وأعطاهما أحسنَ شكل، وأودع الملاحةَ فيهما، وجعلهما مِرآةً للقلب، وطليعةً وحارسًا للبدن، ورائدًا يرسلُه كالجُنْد في مهمَّاته، فلا يتعبُ ولا يَعْيَا٣ على كثرة ظعنه وطول سفره؟!

ومن أودع النُّور الباصر فيه في قَدْر جِرْم العَدَسَة، فيرى به السَّموات والأرض والجبال والشمس والقمر والبحار والعجائب مِنْ داخل سبع طبقات، وجعلهما في أعلى الوجه بمنزلة الحارس على الرَّابية العالية ربيئةً٤ للبدن؟!

ومن حجب المَلِك في الصَّدر، وأجلسه هناك على كرسيِّ المملكة، وأقام جُنْدَ الجوارح والأعضاء والقُوى الباطنة والظَّاهرة في خدمته، وذلَّلها له، فهي مؤتمِرةٌ إذا أمرها، منتهيةٌ إذا نهاها، سامعةٌ له مطيعة، تكدَحُ وتسعى في مرضاته، فلا تستطيعُ له خلافًا٥، ولا خروجًا عن أمره.

  1. (١) جمع هُدْب، وهو شعر أشفار العين. «اللسان» (هدب).
  2. (٢) (ت، ق، د): «أحسن شيء».
  3. (٣) (ق): «ولا يعنى».
  4. (٤) (ن): «زينة». وانظر ما مضى (ص: ٧٥٠).
  5. (٥) (ن، ت، ح): «خلاصًا». وهو تحريف.
768

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي