ومن الذي ركَّب طبقاتها المختلفة طبقةً فوق طبقةٍ حتى بلغت عدد السَّموات سبعًا، وجعل لكلِّ طبقةٍ منفعةً وفائدة، فلو اختلَّت طبقةٌ منها لاختلَّ البصر؟!
ومن شقَّهما في الوجه أحسنَ شقٍّ٢، وأعطاهما أحسنَ شكل، وأودع الملاحةَ فيهما، وجعلهما مِرآةً للقلب، وطليعةً وحارسًا للبدن، ورائدًا يرسلُه كالجُنْد في مهمَّاته، فلا يتعبُ ولا يَعْيَا٣ على كثرة ظعنه وطول سفره؟!
ومن أودع النُّور الباصر فيه في قَدْر جِرْم العَدَسَة، فيرى به السَّموات والأرض والجبال والشمس والقمر والبحار والعجائب مِنْ داخل سبع طبقات، وجعلهما في أعلى الوجه بمنزلة الحارس على الرَّابية العالية ربيئةً٤ للبدن؟!
ومن حجب المَلِك في الصَّدر، وأجلسه هناك على كرسيِّ المملكة، وأقام جُنْدَ الجوارح والأعضاء والقُوى الباطنة والظَّاهرة في خدمته، وذلَّلها له، فهي مؤتمِرةٌ إذا أمرها، منتهيةٌ إذا نهاها، سامعةٌ له مطيعة، تكدَحُ وتسعى في مرضاته، فلا تستطيعُ له خلافًا٥، ولا خروجًا عن أمره.
(١) جمع هُدْب، وهو شعر أشفار العين. «اللسان» (هدب).
(٢) (ت، ق، د): «أحسن شيء».
(٣) (ق): «ولا يعنى».
(٤) (ن): «زينة». وانظر ما مضى (ص: ٧٥٠).
(٥) (ن، ت، ح): «خلاصًا». وهو تحريف.
فمنها رسولُه، ومنها بَرِيدُه، ومنها تُرجُمانه، ومنها أعوانُه وخَدَمُه١ وكلٌّ منها على عملٍ لا يتعدَّاه ولا يتصرَّفُ٢ في غير عمله، حتى إذا أراد الرَّاحة أوعَز إليها بالهدوء والسُّكون ليأخذ المَلِكُ راحتَه، فإذا استيقظ من منامه قامت جنودُه بين يديه على أعمالها، وذهبت حيثُ وجَّهها دائمًا لا تفتُر.
فلو شاهدتَه في محلِّ مُلكه، والأشغالُ والمراسيمُ صادرةٌ عنه وواردة، والعساكرُ في خدمته، والبُرُدُ٣ تتردَّدُ بينه وبين جُنده ورعيَّته؛ لرأيتَ له شأنًا عجيبًا!
فماذا فات الجاهلَ الغافل من العجائب والمعارف والعِبَر التي لا يحتاجُ فيها إلى طول الأسفار وركوب القِفار!
قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ٢٠ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[الذاريات: ٢٠ - ٢١]؛ فدعا عبادَه إلى التفكُّر في أنفسهم، والاستدلال بها على فاطرها وباريها، ولولا هذا لم نوسِّع الكلام في هذا الباب، ولا أطلنا النَّفَس إلى هذه الغاية٤، ولكنَّ العبرة بذلك حاصلة، والمنفعة به عظيمة، والفكرة فيه مما يزيدُ المؤمنَ إيمانًا.
فكم دون القلب مِنْ حَرَس! وكم له مِنْ خادم! وكم له مِنْ عبد ولا يشعُر به! ولله ما خُلِقَ له، وهُيِّاء له، وأُريد منه، وأُعِدَّ له من الكرامة والنَّعيم أو الهوان والعذاب! فإمَّا على سرير المُلك في مقعد صِدْقٍ عند مليكٍ