مفتاح دار السعادة

المخرجُ للأرض؟!

* من جعل الأسنانَ حِدَادًا لقَطْع الطَّعام وتفصيله، والأضراسَ عِراضًا لرضِّه وطحنه؟!

* من سَلَبَ الإحساسَ الحيوانيَّ الشُّعورَ والأظفار التي في الآدميِّ؛ لأنها قد تطولُ وتمتدُّ وتدعو الحاجةُ إلى أخذها وتخفيفها، فلو أعطاها الحسَّ لآلمتْه وشقَّ عليه أخذُ ما شاء منها، فلو كانت تحسُّ لوقع الإنسانُ منها في إحدى البليَّتين: إمَّا تركها حتى تطول وتفحُش وتثقل عليه، وإمَّا مقاساةُ الألم والوجع عند أخذها؟!

* من جعل باطنَ الكفِّ غير قابلٍ لإنبات الشَّعر؛ لأنه لو أشعَر لتعذَّر على الإنسان صحَّةُ اللَّمس، ولشقَّ عليه كثيرٌ من الأعمال التي تُباشَرُ بالكفِّ، ولهذه الحكمة لم يكن هَنُ الرَّجل قابلًا لإنباته؛ لأنه يمنعُه من الجماع، ولمَّا كانت المادَّةُ تقتضي إنباته هناك نبت حول هَنِ الرَّجل والمرأة.

ولهذه الحكمة سُلِب عن الشَّفتين، وكذا باطن الفم، وكذا أيضًا عن القدم أخمصِها وظاهرِها؛ لأنها تلاقي التُّرابَ والوسخَ والطِّينَ والشَّوك، فلو كان هناك شعرٌ لآذى الإنسان جدًّا، وحمل من الأرض كلَّ وقتٍ ما يُثقِلُ الإنسان.

وليس هذا للإنسان وحده، بل ترى البهائم قد جلَّلها الشَّعرُ١ كلَّها، وأُخْلِيَت هذه المواضعُ منه لهذه الحكمة.

  1. (١) (ن): «جللها بالشعر». (ض): «ترى أجسامها مجللة بالشعر».
773

أفلا ترى الصَّنعةَ الإلهيَّة كيف سَلَبت وجوهَ الخطأ١ والمضرَّة، وجاءت بكلِّ صوابٍ وكلِّ منفعةٍ وكلِّ مصلحة؟!

ولمَّا اجتهدَ الطَّاعنون في الحكمة٢، العائبون للخِلقة، فيما يطعنون به، عابوا الشَّعرَ تحتَ الآباط، وشعرَ العانة، وشعرَ باطن الأنف، وشعرَ الرُّكبتين، وقالوا: أيُّ حكمةٍ فيها؟! وأيُّ فائدة؟!

وهذا مِنْ فَرط جهلهم وسخافة عقولِهم؛ فإنَّ الحكمة لا يجبُ أن تكون بأسرها معلومةً للبشر، ولا أكثرِها، بل لا نسبة لما عَلِمُوه إلى ما جهلوه منها، فلو قِيسَت علومُ الخلائق كلِّهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفورٍ في البحر. وحسبُ الفَطِن اللبيب أن يستدلَّ بما عَرَف منها على ما لم يعرف، ويعلم [أنَّ]٣ الحكمة فيما جهله مثلُها٤ فيما عَلِمَه، بل أعظمُ وأدقُّ وألطف٥.

وما مثلُ هؤلاء الحمقى النَّوكى إلا كمثل رجلٍ لا علمَ له بدقائق الصَّنائع والعلوم، من البناء والهندسة والطبِّ، بل والحياكة والخياطة والنجارة؛ إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيءٍ من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعاتهم، فخَفِيَت عليه٦، فجعل كلَّما خَفِيَ عليه منها

  1. (١) (ض): «تتحرز وجوه الخطأ».
  2. (٢) وهم المنانية (المانوية) وأشباههم، كما في (ر، ض).
  3. (٣) زيادة يقتضيها السياق.
  4. (٤) (ح، ن): «منها». وهو تحريف.
  5. (٥) ليست في (ح، ن).
  6. (٦) كذا في الأصول.
774

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي