مفتاح دار السعادة

وأيضا؛ فإنَّ البكاء والعِياط١ يوسِّعُ عليه مجاري النَّفَس، ويفتحُ العُروق ويصلِّبها، ويقوِّي الأعصاب٢.

وكم للطِّفل من منفعةٍ ومصلحةٍ فيما تسمعُه من بكائه وصُراخه!

فإذا كانت هذه الحكمةُ في البكاء الذي سببُه ورودُ الألم والمؤذي وأنت لا تعرفُها ولا تكادُ تخطُر ببالك، فهكذا إيلامُ الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة من الحِكَم ما قد خَفِي على أكثر النَّاس، واضطربَ عليهم الكلامُ في حكمته اضطرابَ الأَرْشِيَة٣، وسلكوا في هذا الباب مسالك:

* فقالت طائفة: ليس إلا محض المشيئة العارية عن الحكمة والغاية المطلوبة. وسدُّوا على أنفسهم هذا البابَ جملة، وكلَّما سئلوا عن شيءٍ أجابوا بـ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾.

وهذا٤ مِنْ أصدق الكلام، وليس المرادُ به نفيَ حكمته تعالى وعواقبِ أفعاله الحميدة وغاياتها المطلوبة منها، وإنما المرادُ بالآية إفرادُه بالإلهيَّة والرُّبوبيَّة، وأنه لكمال حكمته لا معقِّب لحكمه، ولا يُعْتَرض عليه بالسُّؤال؛ لأنه لا يفعلُ شيئًا سُدى، ولا خَلَق شيئًا عبثًا، وإنما يُسألُ عن فعله مَنْ خرجَ

  1. (١) عيَّط: إذا مدَّ صوته بالصُّراخ. وهو العِياط. «أساس البلاغة» (عيط). ويأتي بمعنى البكاء في كلام بعض العامة. انظر: «معجم تيمور» (٤/ ٤٥٧).
  2. (٢) انظر: «تحفة المودود» (١٨٨).
  3. (٣) أي: في البئر. والأرشية جمعُ رِشاء، وهو حبل الدَّلو. وهذا تشبيهٌ مشهور، ورد في كلامٍ ينسبُ لعلي ﵁، واستعمله الشعراء والكتَّاب. انظر: «شرح نهج البلاغة» (١/ ٢١٣)، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (٦٥٦).
  4. (٤) أي: قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾.
777

عن الصَّواب، ولم يكن فيه منفعةٌ ولا فائدة.

ألا ترى إلى قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ٢١ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١ - ٢٣]، كيف ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلهةً لا تساويه، فسوَّاها به مع أعظم الفَرق؟!

فقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ إثباتٌ لحقيقة الإلهيَّة، وإفرادٌ له بالرُّبوبيَّة والإلهيَّة، وقولُه: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ نفيٌ لصلاح تلك الآلهة المتَّخَذة للإلهيَّة؛ فإنها مسؤولةٌ مربوبةٌ مدبَّرة، فكيف يسوَّى بينها وبينه مع أعظم الفرقان؟!

فهذا الذي سِيقَ له الكلام، فجعلها الجبريَّةُ مَعْقِلًا وملجأً في إنكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السَّديدة١. والله الموفِّق للصَّواب.

* وقالت طائفة: الحكمةُ في ابتلائهم تعويضُهم في الآخرة بالثَّواب التَّامِّ.

فقيل لهم: قد كان يمكنُ إيصالُ الثَّواب إليهم بدون هذا الإيلام.

فأجابوا بأنَّ توسُّط الإيلام في حقِّهم كتوسُّط التكاليف في حقِّ المكلَّفين.

فقيل لهم: فهذا ينتقض عليكم بإيلام أطفال الكفَّار.

  1. (١) انظر: «شفاء العليل» (٧٣١).
778

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي