ثمَّ إنه سبحانه ركَّب فيه من القُوى والشَّهوة١ والإرادة ما يوجبُ حركتَه الدَّائمة، وسعيَه في طلب ما يُصْلِحُه ودفع ما يضرُّه؛ بنفسه تارةً وبمن يعينُه تارة، فأحوجَ النَّوعَ بعضه إلى بعض، فحدث من ذلك الاختلاطُ بينهم، وبغيُ بعضهم على بعض، فيحدُث من ذلك من الآلام والشُّرور بنحو ما يحدُث من امتزاج أخلاطه واختلاطها، وبغي بعضها على بعض، والآلامُ لا تتخلَّفُ عن هذا الاختلاط والامتزاج أبدًا إلا في دار البقاء والنَّعيم المقيم، لا في دار الابتلاء٢ والامتحان.
فمن ظنَّ أنَّ الحكمة في أن يجعل خصائصَ تلك الدَّار في هذه فقد ظنَّ باطلًا، بل الحكمةُ التَّامَّةُ البالغةُ اقتضت أن تكون هذه الدَّارُ ممزوجةً عافيتُها ببلائها، وراحتُها بعنائها، ولذَّتها بآلامها، وصحَّتُها بسقَمها، وفرحُها بغمِّها، فهي دارُ ابتلاءٍ تُدْفَعُ بعضُ آفاتها ببعض، كما قال القائل:
أصبحتُ في دار بَليَّاتِأدْفَعُ آفاتٍ بآفاتِ٣
ولقد صدق؛ فإنك إذا فكَّرتَ في الأكل والشُّرب واللباس والجماع والراحة وسائر ما يُستلذُّ به؛ رأيته يدفعُ بها ما قابله٤ من الآلام والبليَّات، أفلا تراك تدفعُ بالأكل ألم الجوع، وبالشُّرب ألم العطش، وباللباس ألم الحرِّ والبرد، وكذا سائرها.
(١) «والشهوة» ليست في (ح، ن).
(٢) (ن): «البلاء».
(٣) تقدم تخريج البيت (ص: ٣٧٦).
(٤) (ن): «يقابله». (ت): «قبله».
ومن هنا قال بعض العقلاء: إنَّ لذَّاتها إنما هي دفعُ آلامٍ لا غير١، فأمَّا اللذاتُ الحقيقيَّة فلها دارٌ أخرى، ومحلٌّ آخرُ غيرُ هذه٢.
فوجودُ هذه الآلام واللذَّات الممتزجة المختلطة من الأدلَّة على المعاد، وأنَّ الحكمة التي اقتضت ذلك هي أولى باقتضاء دارَيْن: دارٍ خالصةٍ للَّذَّاتِ٣ لا يشُوبها ألمٌ ما، ودارٍ خالصةٍ للألم لا يشُوبها لذَّةٌ ما؛ والدَّار الأولى هي الجنَّة، والدَّارُ الثانيةُ النَّار.
أفلا ترى كيف دلَّك٤ ما أنت مجبولٌ عليه في هذه النَّشأة من اللذَّة والألم على الجنَّة والنَّار، ورأيتَ شواهدهما وأدلَّة وجودهما مِنْ نفسك
(١) (ح، ن): «إن لذاذتها إنما هي دفع الألم لا غير».
(٢) انظر: «رسائل إخوان الصفا» (٣/ ٥٢)، و«رسائل فلسفية» لمحمد بن زكريا الرازي (٣٦ ــ ٣٩، ١٣٩ ــ ١٥٥)، و«مقالة عن ثمرة الحكمة» لابن الهيثم (٢٠)، و«الهوامل والشوامل» (٢٩٦)، و«تهذيب الأخلاق» لمسكويه (٦٠)، و«مفاتيح الغيب» (١٢/ ١٦٦، ١٧/ ٩٥، ١٨/ ١٧٥، ١٩/ ٦٢)، و«المواقف» للإيجي (٢/ ١٦٤)، و«طبقات الشافعية» للسبكي (١٠/ ٢٩٥)، و«عيون الأنباء» (٥٩٧). وأصل هذا المعنى يذكره المتفلسفة في تقسيمهم للَّذَّات، وبنوا عليه أمورًا فاسدة، والتحقيق أن اللذة أمرٌ وجوديٌّ يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد. انظر: «النبوات» (٣٨١)، و«جامع المسائل» (٦/ ١١٨، ١٨٥)، و«قاعدة في المحبة» (٦٤)، و«الأصفهانية» (٢٨١)، و«الصفدية» (٢/ ٢٣٥، ٢٦١)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٣٦، ١٠/ ٢٠٥، ٣٢٥)، و«الرد على المنطقيين» (٤٢٤)، و«الصواعق المرسلة» (١٤٥٧)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (٣٠٥)، و«روضة المحبين» (٢٠٧)، وما مضى (ص: ٣٧٦، ٣٨١).