مفتاح دار السعادة

حتى كأنك تعاينُهما عِيانًا؟!

وانظُر كيف دلَّ العِيانُ والحِسُّ والوجودُ على حكمة الربِّ تعالى وعلى صدق رسله فيما أخبَروا به من الجنَّة والنَّار!

فتأمَّل كيف قاد النَّظرُ في حكمة الله تعالى إلى شهادة العقول والفطر بصدق رسله، وأنَّ ما أخبَروا به تفصيلًا يدلُّ عليه العقلُ مجملًا؛ فأين هذا مِنْ مقام من أدَّاه علمُه إلى المعارضة بين ما جاءت به الرُّسلُ وبين شواهد العقل وأدلَّته؟!

ولكنَّ تلك عقولٌ كادَها باريها، ووَكَلها إلى أنفسها؛ فحلَّت بها عساكرُ الخِذلان من كلِّ جانب.

وحسبُك بهذا الفصل وعظيم منفعته مِنْ هذا الكتاب، والله المحمودُ المسؤولُ تمام نعمته.

فهذه كلماتٌ مختصرةٌ نافعةٌ في مسألة إيلام الأطفال لعلَّك لا تظفرُ بها في أكثر الكتب١.

* ... * ... *

فارجع الآن إلى نفسك٢:

وفكِّر في هذه الأفعال الطَّبيعية التي جُعِلت في الإنسان، وما فيها من الحكمة والمنفعة، وما جُعِل لكلِّ واحدٍ منها في الطَّبع من المحرِّك٣

  1. (١) وانظر: «شفاء العليل» (٥٢٤، ٦٠٠، ٦٦٦، ٦٧٩، ٦٨٨)، و«طريق الهجرتين» (٣٢٩ - ٣٣٣).
  2. (٢) «الدلائل والاعتبار» (٥٦ - ٦١)، «توحيد المفضل» (٣٥ - ٤١).
  3. (٣) (ح، ن): «في الطبع المحرك».
783

والدَّاعي الذي يقتضيه ويستحثُّه:

فالجوعُ يستحِثُّ الأكلَ ويطلُبه؛ لِمَا فيه من قِوام البدن وحياته ومماته١.

والكرى يقتضي النَّوم ويستحِثُّه؛ لما فيه من راحة البدن والأعضاء وجَمام القُوى وعَوْدِها إلى قوَّتها حديدةً٢ غير كالَّة.

والشَّبَقُ يقتضي الجماع الذي به دوامُ النَّسل، وقضاءُ الوطر، وتمامُ اللذَّة.

فتجدُ هذه الدَّواعي تستحثُّ الإنسانَ لهذه الأمور وتتقاضاها منه بغير اختياره، وذلك عينُ الحكمة؛ فإنه لو كان الإنسانُ إنما يستدعي هذه المُسْتَحثَّات إذا أرادها لأوشك أن يَشْتغل عنها بما يَعْروه٣ من العوارض مدَّةً فينحلَّ بدنُه ويهلك ويترامى إلى الفساد وهو لا يشعر، كما إذا احتاج بدنُه إلى شيءٍ من الدَّواء والعلاج٤ فدافَعه وأعرض عنه حتى استَحكم به الدَّاءُ فأهلَكه.

فاقتضت حكمةُ اللطيف الخبير أن جُعِلت فيه بواعثُ ومُسْتَحثَّاتٌ تؤزُّه

  1. (١) (ر): «فالجوع يقتضي الطُّعم الذي فيه حياة البدن وقوامه».
  2. (٢) (ح، ت، ن): «جديدة». والمثبت من (د، ق) أولى بالصواب؛ يقال: «فلانٌ حديد الفهم» أي: ذكيُّ القلب صافي الذهن. وقال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي: ثابتٌ نافذ. وانظر: «عمدة الحفاظ» للسمين (حدد).
  3. (٣) (ح، ن): «يعوزه».
  4. (٤) (د، ق، ح، ن): «والصلاح». والمثبت من (ت، ر) أشبه. والعبارة في (ض): «كما يحتاج الواحد الدواء لشيء مما يصلح به بدنه».
784

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي