مفتاح دار السعادة

أزًّا إلى ما فيه قِوَامه وبقاؤه ومصلحتُه، وتَرِدُ عليه بغير اختياره ولا استدعائه، فجُعِل لكلِّ واحدٍ من هذه الأفعال محرِّكٌ من نفس الطَّبيعة يحرِّكُه ويَحْدُوه عليه.

ثمَّ انظُر إلى ما أُعطِيَه من القُوى المختلفة التي بها قِوَامُه:

* فأُعطِي القوَّة الجاذبة١ الطَّالبة المُسْتَحِثَّة التي تقتضي معلُومَها من الغذاء، فتأخذه وتُورِدُه على الأعضاء بحسب قبولها.

* ثمَّ أُعطِي القوَّة المُمْسِكة التي تمسكُ الطَّعام وتحبسُه ريثما تُنْضِجُه الطَّبيعةُ وتُحْكِمُ طبخَه وتهيِّئه لمصارفه وتبعثُه لمستحقِّيه.

* ثمَّ أُعطِي القوَّة الهاضمة التي تَصْرِفُه في البدن وتَهْضِمُه عن المعدة.

* ثمَّ أُعطِي القوَّة الدَّافعة، وهي التي تدفعُ ثُفْلَه وما لا منفعة فيه، فتدفعُه وتخرجُه عن البدن لئلَّا يؤذيه٢ ويُنْهِكه.

فمن أعطاك هذه القُوى عند شدَّة حاجتك إليها؟! ومن جعلها خدَمًا لك؟! ومن أعطاها أفعالها٣ واستعمل كلَّ واحدٍ منها على عملٍ غير عمل الآخر؟! ومن ألَّف بينها على تباينها حتى اجتمعت في شخصٍ واحدٍ ومحلٍّ واحد، ولو عادى بينها كان بعضها يُذْهِبُ بعضًا؟! فمن كان يَحُولُ بينه وبين ذلك؟!

فلولا القوَّةُ الجاذبةُ بِمَ كنت تتحرَّك لطلب الغذاء الذي به قِوامُ البدن؟!

  1. (١) (ح، ن): «الحادية».
  2. (٢) (ت): «يرديه».
  3. (٣) (ن): «أعطاك أفعالها».
785

ولولا المُمْسِكةُ كيف كان الطَّعام يذهبُ١ في الجوف حتى تَهْضِمَه المعدة؟!

ولولا الهاضمةُ كيف كان ينطبِخُ٢ حتى يَخْلُصَ منه الصَّفوُ إلى سائر أجزاء البدن وأعماقه؟!

ولولا الدَّافعةُ كيف كان الثُّفْلُ المؤذي القاتلُ لو انحبَس يخرجُ أوَّلًا فأوَّلًا، فيستريحُ البدن، فيخفُّ ويَنْشَط؟!

فتأمَّل كيف وُكِّلت هذه القُوى بك والقيام بمصالحك.

فالبدنُ كدارٍ للمَلِك فيها حشَمُه وخدمُه، قد وكَّل بتلك الدَّار قُوَّامًا٣ يقومون بمصالحها، فبعضهم لاقتضاء حوائجها وإيرادها عليها٤، وبعضهم لقبض الوارد وحِفظه وخَزْنه إلى أن يُهيَّأ ويُصْلح، وبعضهم يقبضه فيهيِّئه ويصلحُه ويدفعُه إلى أهل الدَّار ويفرِّقُه عليهم بحسب حاجاتهم، وبعضهم لكَسْح الدَّار٥ وتنظيفها وكَنْسِها من الزِّبْل والأقذار.

فالمَلِك: هو المَلِكُ الحقُّ المبينُ ﷻ، والدَّار: أنت٦، والحَشَم والخدم: الأعضاءُ والجوارح، والقُوَّامُ عليها: هذه القُوى التي

  1. (١) (ر، ض): «يلبث».
  2. (٢) (ن، ح): «يطبخ». والمثبت من (د، ق، ت، ر، ض).
  3. (٣) في الأصول: «أقواما». تحريف. والتصحيح من (ر، ض). وستأتي على الصواب في آخر الفقرة.
  4. (٤) (ر): «لقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم».
  5. (٥) الكَسْح: الكَنْس. وفي (ح): «لمسح الدار».
  6. (٦) (ر، ض): «والدار هي البدن».
786

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي