مفتاح دار السعادة

ولولا المُمْسِكةُ كيف كان الطَّعام يذهبُ١ في الجوف حتى تَهْضِمَه المعدة؟!

ولولا الهاضمةُ كيف كان ينطبِخُ٢ حتى يَخْلُصَ منه الصَّفوُ إلى سائر أجزاء البدن وأعماقه؟!

ولولا الدَّافعةُ كيف كان الثُّفْلُ المؤذي القاتلُ لو انحبَس يخرجُ أوَّلًا فأوَّلًا، فيستريحُ البدن، فيخفُّ ويَنْشَط؟!

فتأمَّل كيف وُكِّلت هذه القُوى بك والقيام بمصالحك.

فالبدنُ كدارٍ للمَلِك فيها حشَمُه وخدمُه، قد وكَّل بتلك الدَّار قُوَّامًا٣ يقومون بمصالحها، فبعضهم لاقتضاء حوائجها وإيرادها عليها٤، وبعضهم لقبض الوارد وحِفظه وخَزْنه إلى أن يُهيَّأ ويُصْلح، وبعضهم يقبضه فيهيِّئه ويصلحُه ويدفعُه إلى أهل الدَّار ويفرِّقُه عليهم بحسب حاجاتهم، وبعضهم لكَسْح الدَّار٥ وتنظيفها وكَنْسِها من الزِّبْل والأقذار.

فالمَلِك: هو المَلِكُ الحقُّ المبينُ ﷻ، والدَّار: أنت٦، والحَشَم والخدم: الأعضاءُ والجوارح، والقُوَّامُ عليها: هذه القُوى التي

  1. (١) (ر، ض): «يلبث».
  2. (٢) (ن، ح): «يطبخ». والمثبت من (د، ق، ت، ر، ض).
  3. (٣) في الأصول: «أقواما». تحريف. والتصحيح من (ر، ض). وستأتي على الصواب في آخر الفقرة.
  4. (٤) (ر): «لقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم».
  5. (٥) الكَسْح: الكَنْس. وفي (ح): «لمسح الدار».
  6. (٦) (ر، ض): «والدار هي البدن».
786

ذكرناها١.

تنبيه: فرقٌ بين نظر الطَّبيب والطَّبائعيِّ في هذه الأمور، وكونه مقصورًا على النَّظر في حِفظ الصِّحة ودَفْع السَّقم، فهو ينظرُ فيها من هذه الجهة فقط= وبين نظر المؤمن العارف فيها، فهو ينظرُ فيها من جهة دلالتها على خالقها وباريها، وما له فيها من الحِكَم البالغة، والنِّعَم السَّابغة، والآلاء التي دعا العبادَ إلى ذِكْرها وشُكرها.

تنبيه: تأمَّل حكمة الله ﷿ في الحفظ والنِّسيان الذي خَصَّ به نوعَ الإنسان وما له فيهما من الحِكم، وما للعبد فيهما من المصالح؛ فإنه لولا القوَّةُ الحافظةُ التي خُصَّ بها لدَخَل عليه الخللُ في أموره كلِّها ولم يَعْرِف ما له وما عليه، ولا ما أخذ ولا ما أعطى، ولا ما سَمِع ورأى، ولا ما قال ولا ما قيل له، ولا ذَكر من أحسَن إليه ولا من أساء إليه، ولا من عامله، ولا من نفَعه فيقرُب منه، ولا من ضرَّه فينأى عنه، ثمَّ كان لا يهتدي الطَّريق الذي سلكه أوَّل مرَّةٍ ولو سلكه مرارًا، ولا يعرفُ٢ علمًا ولو دَرَسَه عمرَه، ولا ينتفعُ بتجربة، ولا يستطيعُ أن يعتبر شيئًا٣ على ما مضى، بل كان خليقًا٤ أن ينسلخ من الإنسانيَّة أصلًا.

فتأمَّل عظيمَ المنفعة عليك في هذه الخِلال، وموقع الواحدة منهنَّ فضلًا عن جميعهنَّ.

  1. (١) انظر: «الذريعة إلى مكارم الشريعة» (٨١)، و«تفصيل النشأتين» (٩٢)، و«الفوز الأصغر» لمسكويه (٩٢).
  2. (٢) (ر): «يعقل». (ض): «يحفظ».
  3. (٣) (ح، ن): «يعبر». (ت): «يغير».
  4. (٤) (ض): «حقيقا».
787

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي