وكثيرٌ من النَّاس لولا الحياءُ الذي فيه لم يؤدِّ شيئًا من الأمور المفتَرضة عليه، ولم يَرْع لمخلوقٍ حقًّا، ولم يَصِل له رَحِمًا، ولا برَّ له والدًا١؛ فإنَّ الباعث على هذه الأفعال إمَّا دينيٌّ ــ وهو رجاءُ عاقبتها الحميدة ــ، وإمَّا دنيويٌّ عاديٌّ٢ ــ وهو حياءُ فاعلها من الخلق ــ؛ فقد تبيَّن أنه لولا الحياءُ إمَّا من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبُها.
وفي التِّرمذي٣ وغيره مرفوعًا: «استحيُوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: وما حقُّ الحياء؟ قال: «أن تحفظ الرَّأسَ وما حوى، والبطنَ وما وعى، وتذكُر المقابرَ والبِلى».
وقال ﷺ: «إذا لم تستَح فاصنع ما شئت»٤.
(١) (ت): «ولا بر له والدا ولا ولدا».
(٢) في طرة (ح) إشارةٌ إلى أن في نسخة: «دنيوي علوي»، وهي تحريف.
(٣) (٢٤٥٨)، و«مسند أحمد» (١/ ٣٨٧)، وأبي يعلى (٥٠٤٧)، والبزار (٢٠٢٥)، وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعودٍ بإسنادٍ ضعيف، والأشبه أنه موقوف. قال الترمذي: «هذا حديثٌ إنما نعرفه من هذا الوجه». وصححه الحاكم (٤/ ٣٢٣)، ولم يتعقبه الذهبي. وروي مرفوعًا من وجوه أخرى لا يصحُّ منها شيء. وانظر: «المجروحين» (١/ ٣٧٧)، و«الميزان» (١/ ٥، ٢/ ٣٠٦)، و«الترغيب والترهيب» للمنذري (٣/ ٣٨٣).
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٨٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
وأصحُّ القولين فيه قولُ أبي عبيدٍ١ والأكثرين أنه تهديد٢؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾[فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾[المرسلات: ٤٦].
وقالت طائفة: هو إذنٌ وإباحة٣، والمعنى: أنك إذا أردتَ أن تفعل فعلًا فانظر قبل فعله، فإن كان مما يُستحيى فيه من الله ومن النَّاس فلا تفعلْه وإن كان مما لا يُستحيى منه فافعلْه فإنه ليس بقبيح.
وعندي أنَّ هذا الكلام صورتُه صورةُ الطَّلب، ومعناه معنى الخبر٤، وهو في قوَّة قولهم: «من لا يستحي صَنَعَ ما يشتهي»؛ فليس بإذنٍ ولا هو مجرَّد تهديد، وإنما هو في معنى الخبر، والمعنى: أنَّ الرَّادع عن القبيح إنما هو الحياء، فمن لم يَسْتح فإنه يصنعُ ما شاء.
وأخرجَ هذا المعنى٥ في صيغة الطَّلب لنكتةٍ بديعةٍ جدًّا٦؛ وهي أنَّ
(١) الذي في كتابه «غريب الحديث» (٢/ ٣٣١، ٣٣٢)، ونقله عنه الخطابي: أن هذا أمرٌ بمعنى الخبر. وهو القول الثالث الذي اختاره المصنف.
(٢) وبه قال ثعلب، كما في «غريب الحديث» للخطابي (١/ ١٥٦). وانظر: «شرح مشكل الآثار» (٤/ ١٩٨)، و«الفتح» (٦/ ٥٢٣، ١٠/ ٥٢٣).
(٣) حكاه المصنف في «الداء والدواء» (١٦٩) عن الإمام أحمد. وذكره الحليمي في «المنهاج» (٣/ ٢٣٢) مع القول الثالث، وقال: «وكلاهما حسنٌ وحق».
(٤) وهذا قول أبي عبيد كما تقدم، وابن قتيبة في «غريب الحديث» (١/ ٣٦٥)، ومحمد بن نصر كما في «جامع العلوم والحكم» (٣٧٦). وقد ساقه المصنف في «الداء والدواء» بيانًا لمعنى التهديد، وفرَّق بينهما هنا، وهو أجود.