مفتاح دار السعادة

يحتاج إلى إقامة شاهدٍ مِنْ خارجٍ عليه بالأدلَّة والشواهد، لتكثير١ طرق الهدى، وقطع المعذرة، وإزاحة العلَّة والشُّبهة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢].

فأثبتَ في الفطرة حُسْنَ العدل، والإنصاف، والصِّدق، والبِرِّ، والإحسان، والوفاء بالعهد، والنَّصيحة للخلق، ورحمة المسكين، ونصرة المظلوم، ومواساة أهل الحاجةِ والفاقة، وأداء الأمانات، ومقابلة الإحسان بالإحسان والإساءة بالعفو والصَّفح، والصَّبر في مواطن الصَّبر، والبذل في مواطن البذل، والانتقام في موضع الانتقام، والحِلْم في موضع الحِلْم، والسَّكينة، والوقار، والرَّأفة، والرِّفق، والتَّودُّد٢ في حُسْن الأخلاق٣، وجميل المعاشرة مع الأقارب والأباعد، وسَتْر العورات، وإقالة العثرات، والإيثار عند الحاجات، وإغاثة اللهفات، وتفريج الكربات، والتَّعاون على أنواع الخير والبرِّ، والشَّجاعة، والسَّماحة، والبصيرة، والثَّبات، والعزيمة، والقوَّة في الحقِّ، واللين لأهله، والشِّدَّة على أهل الباطل، والغلظة عليهم، والإصلاح بين النَّاس، والسَّعي في إصلاح ذات البَيْن، وتعظيم من يستحقُّ التعظيم، وإهانة من يستحقُّ الإهانة، وتنزيل النَّاس منازلهم، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وأخذِ ما سَهُل عليهم وطوَّعت به أنفسُهم من الأعمال والأموال والأخلاق، وإرشاد ضالِّهم، وتعليم جاهلهم، واحتمال جَفْوتهم، واستواء قريبهم وبعيدهم في الحقِّ؛ فأقربهم إليه أولاهم بالحقِّ وإن كان بعيدًا، وأبعدُهم عنه أبعدُهم من الحقِّ وإن كان حبيبًا قريبًا.

  1. (١) (ق): «لتكثر». (ت): «ليكثر». ومهملة في (د).
  2. (٢) (ت، ق): «والمودة». (ت): «والتودة».
  3. (٣) كذا في الأصول. وفي (ط): «والتؤدة، وحسن الأخلاق».
799

إلى غير ذلك مِنْ معرفة العدل١ الذي وضعه بينهم في المعاملات والمناكحات والجنايات، وما أودع في فِطرهم مِنْ حُسْن شكره وعبادته وحده لا شريك له، وأنَّ نِعَمه عليهم توجبُ بذل قدرتهم وطاقتهم في شكره والتقرُّب إليه وإيثاره على ما سواه، وأثبت في الفِطر عِلْمَها٢ بقبح أضداد ذلك.

ثمَّ بعث رسله في الأمر بما أثبت في الفِطر حُسْنَه وكماله، والنَّهي عمَّا أثبت فيها قبحَه وعيبه وذمَّه.

فطابقت الشريعةُ المنزَّلةُ للفطرة المكمِّلة مطابقةَ التفصيل لجملته، وقامت شواهدُ دينه في الفطرة تنادي للإيمان: حيَّ على الفلاح!، وصدَّعت تلك الشواهدُ والآياتُ دياجي ظُلَم الإباء٣ كما صدَّع الليلَ ضوءُ الصَّباح، وقَبِل حاكمُ الشريعة شهادةَ العقل والفطرة لمَّا كان الشاهدُ غير متَّهمٍ ولا معرَّضٍ للجِرَاح٤.

فصل٥

وكذلك أعطاهم من الأمور المتعلِّقة بصلاح معاشهم ودنياهم بقَدْر حاجاتهم؛ كعلم الطبِّ والحساب، وعلم الزِّراعة والغِرَاس٦، وضروب

  1. (١) (د، ت، ح، ن): «العقل». (ق): «العاقل». والمثبت أشبه.
  2. (٢) «علمها» ليست في (ت). وفي (د، ن، ق): «عليها».
  3. (٣) كذا في الأصول. والإباء: الامتناع مع تكرُّهٍ واستعصاء.
  4. (٤) (ت): «للجرح». والمثبت أنسبُ للفاصلة.
  5. (٥) «الدلائل والاعتبار» (٦٠)، «توحيد المفضل» (٤١).
  6. (٦) (ق): «الغرس». (ر، ح): «الغراسة».
800

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي