مفتاح دار السعادة

إلى غير ذلك مِنْ معرفة العدل١ الذي وضعه بينهم في المعاملات والمناكحات والجنايات، وما أودع في فِطرهم مِنْ حُسْن شكره وعبادته وحده لا شريك له، وأنَّ نِعَمه عليهم توجبُ بذل قدرتهم وطاقتهم في شكره والتقرُّب إليه وإيثاره على ما سواه، وأثبت في الفِطر عِلْمَها٢ بقبح أضداد ذلك.

ثمَّ بعث رسله في الأمر بما أثبت في الفِطر حُسْنَه وكماله، والنَّهي عمَّا أثبت فيها قبحَه وعيبه وذمَّه.

فطابقت الشريعةُ المنزَّلةُ للفطرة المكمِّلة مطابقةَ التفصيل لجملته، وقامت شواهدُ دينه في الفطرة تنادي للإيمان: حيَّ على الفلاح!، وصدَّعت تلك الشواهدُ والآياتُ دياجي ظُلَم الإباء٣ كما صدَّع الليلَ ضوءُ الصَّباح، وقَبِل حاكمُ الشريعة شهادةَ العقل والفطرة لمَّا كان الشاهدُ غير متَّهمٍ ولا معرَّضٍ للجِرَاح٤.

فصل٥

وكذلك أعطاهم من الأمور المتعلِّقة بصلاح معاشهم ودنياهم بقَدْر حاجاتهم؛ كعلم الطبِّ والحساب، وعلم الزِّراعة والغِرَاس٦، وضروب

  1. (١) (د، ت، ح، ن): «العقل». (ق): «العاقل». والمثبت أشبه.
  2. (٢) «علمها» ليست في (ت). وفي (د، ن، ق): «عليها».
  3. (٣) كذا في الأصول. والإباء: الامتناع مع تكرُّهٍ واستعصاء.
  4. (٤) (ت): «للجرح». والمثبت أنسبُ للفاصلة.
  5. (٥) «الدلائل والاعتبار» (٦٠)، «توحيد المفضل» (٤١).
  6. (٦) (ق): «الغرس». (ر، ح): «الغراسة».
800

الصَّنائع، واستنباط المياه، وعَقْد الأبنية، وصَنْعة السُّفن، واستخراج المعادن وتهيئتها لما يرادُ منها، وتركيب الأدوية، وصَنْعة الأطعمة، ومعرفة ضروب الحِيَل في صيد الوحش والطَّير ودوابِّ الماء، والتصرُّف في وجوه التِّجارات، ومعرفة وجوه المكاسب، وغير ذلك مما فيه قيامُ معاشهم١.

ثمَّ منعَهم سبحانه عِلْمَ ما سوى ذلك مما ليس مِنْ شأنهم، ولا فيه مصلحةٌ لهم، ولا نشأتُهم قابلةٌ له؛ كعِلْم الغيب، وعِلْم ما كان وكلِّ ما يكون، والعلم بعدد القَطْر وأمواج البحر وذرَّات الرِّمال ومَساقط٢ الأوراق، وعدد الكواكب ومقاديرها، وعِلْم ما فوق السَّموات٣ وما تحت الثَّرى، وما في لُجَج البحار وأقطار العالم، وما يُكِنُّه الناسُ في صدورهم، وما تحملُ كلُّ أنثى وما تَغِيضُ الأرحامُ وما تزداد، إلى سائر ما حَجَبَ٤ عنهم علمَه؛ فمن تكلَّف معرفة ذلك فقد ظلم نفسَه، وبَخَسَ من التَّوفيق حظَّه، ولم يحصل إلا على الجهل المركَّب والخيال الفاسد في أكثر أمره.

وجرت سنَّةُ الله وحكمتُه أنَّ هذا الضربَ من النَّاس أجهلُهم بالعلم النَّافع وأقلُّهم صوابًا؛ وترى٥ عند من لا يرفعون به رأسًا من الحِكَم والعلم الحقِّ النَّافع ما لا يخطرُ ببالهم أصلًا، وذلك مِنْ حكمة الله في خلقه وهو العزيزُ الحكيم.

  1. (١) (ح، ن): «معايشهم».
  2. (٢) (ح، ن): «وساقط».
  3. (٣) (ح): «ما في السموات».
  4. (٤) (ح، ن): «عزب».
  5. (٥) (ت، ق): «فيرى». ومهملة في (د).
801

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي