الوقتُ١ أحدثتُ توبةً. وهذا مذهبٌ لا يرتضيه الله تعالى ﷿ من عباده، ولا يقبلُه منهم٢، ولا يصلُح عليه أحوالُ العالم، ولا يصلُح العالم إلا على هذا الذي اقتضته حكمتُه وسبق في علمه.
فلو أنَّ عبدًا من عبيدك عمل على أن يُسْخِطك أعوامًا ثمَّ يرضيك ساعةً واحدةً إذا تيقَّن أنه صائرٌ إليك لم تَقْبَل منه، ولم يفُز لديك بما يفوزُ به من همُّه رضاك٣.
وكذا سنةُ الله ﷿ أنَّ العبد إذا عاين الانتقال إلى الله تعالى لم تنفعه توبةٌ ولا إقلاع؛ قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾[النساء: ١٨]، وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ٨٤ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾[غافر: ٨٤ - ٨٥].
والله تعالى إنما يغفرُ للعبد إذا كان وقوعُ الذَّنب منه على وجه غلبة الشَّهوة وقوَّة الطَّبيعة، فيُواقِعُ الذَّنبَ مع كراهته له من غير إصرارٍ٤ في نفسه، فهذا تُرجى له مغفرةُ الله وصفحُه وعفوُه؛ لعلمه تعالى بضعفه وغلبة شهوته له، وأنه يرى كلَّ وقتٍ٥ ما لا صبر له عليه، فهو إذا واقع الذَّنبَ
(١) «الوقت» ليست في (ت).
(٢) (ح، ن): «ولا يقبل منهم».
(٣) (ت): «مرضاتك». (د، ق): «برضاك».
(٤) (ت): «إضمار». (ح، ن): «احتراز».
(٥) (ت): «كل ساعة».
واقعَه مواقعةَ ذليلٍ منكسرٍ خاضعٍ لربِّه خائفٍ منه، يَعْتَلِجُ في صدره شهوةُ النفس الذَّنبَ وكراهةُ١ الإيمان له؛ فهو يجيبُ داعي النفس تارةً وداعي الإيمان تارات٢.
فأمَّا من بنى أمرَه على أن لا يَعِفَّ عن ذنب٣، ولا يقدِّم خوفًا، ولا يدَع لله شهوةً وهو فَرِحٌ مسرورٌ يضحكُ ظهرًا لبطنٍ إذا ظفر بالذَّنب، فهذا الذي يُخافُ عليه أن يُحال بينه وبين التَّوبة، ولا يوفَّق لها؛ فإنه مِنْ معاصيه وقبائحه على نقدٍ عاجلٍ يتقاضاه سلفًا وتعجيلًا، ومِنْ توبته وإيابه ورجوعه إلى الله على دَينٍ مؤجَّلٍ إلى انقضاء الأجل.
وإنما كان هذا الضَّربُ من النَّاس يُحالُ بينهم وبين التَّوبة غالبًا لأنَّ النُّزوع عن اللذَّات والشهوات إلى مخالفة الطَّبع والنفس ــ والاستمرار على ذلك ــ شديدٌ على النفس، صعبٌ عليها، أثقلُ من الجبال عليها، ولا سيَّما إذا انضاف إلى ذلك ضعفُ البصيرة، وقلَّةُ النَّصيب من الإيمان، فنفسُه لا تطوِّعُ له٤ أن يبيع نقدًا بنسيئةٍ ولا عاجلًا بآجل، كما قال بعضُ هؤلاء وقد سُئل: أيما أحبُّ إليك درهمٌ اليوم أو دينارٌ غدًا؟ فقال: لا هذا ولا هذا، ولكن ربعُ درهمٍ من أوَّل أمس!
فحرامٌ على هؤلاء أن يوفَّقوا للتَّوبة إلا أن يشاء الله.
(١) (ح، ن): «شهوة النفس وكراهة». (ت): «شهوة النفس الذنب وكراهته».