مفتاح دار السعادة

فإن قلت: فها هو مع ذلك١ قد غُيِّبَ عنه مقدارُ أجله، وهو يترقَّبُ الموتَ في كلِّ ساعة، ومع ذلك يُقارِفُ الفواحشَ وينتهكُ المحارم، فأيُّ فائدةٍ وحكمةٍ حصلت بستر أجله عنه؟!٢.

قيل: لَعَمْرُ الله إنَّ الأمر كذلك، وهو الموضعُ الذي حيَّر ألبابَ العقلاء٣، وافترق النَّاسُ لأجله فِرَقًا شتى:

* ففرقةٌ أنكرت الحكمةَ وتعليلَ أفعال الرَّبِّ جملة، وقالوا بالجَبْر المحض، وسدُّوا على أنفسهم الباب وقالوا: لا تُعلَّلُ أفعالُ الرَّبِّ تعالى، ولا هي مقصودٌ بها مصالحُ العباد، وإنما مصدرُها محضُ المشيئة وصِرْفُ الإرادة. فأنكروا حكمةَ الله في خلقه وأمره٤.

* وفرقةٌ نفت لأجله القَدَر جملة، وزعموا أنَّ أفعال العباد غيرُ مخلوقةٍ لله حتى يُطلبَ لها وجوهُ الحكمة، وإنما هي خَلقُهم وإبداعُهم، فهي واقعةٌ بحسب جهلهم وظلمهم وضعفهم، فلا يقعُ على السَّداد والصَّواب إلا أقلُّ القليل منها.

فهاتان الطَّائفتان متقابلتان أعظمَ تقابُل:

فالأولى غَلَت في الجَبْر وإنكار الحِكَم المقصودة في أفعال الله.

والثَّانية غَلَت في القَدَر وأخرجت كثيرًا من الحوادث، بل أكثرَها، عن مُلك الرَّبِّ وقدرته.

  1. (١) في الأصول: «فما هو مع ذلك». ولعل الصواب ما أثبت.
  2. (٢) هذا آخر ما نقله المصنف من كتاب «الدلائل والاعتبار».
  3. (٣) (ح، ن): «الألباب والعقلاء».
  4. (٤) (ح، ن): «في أمره ونهيه».
806

وهدى الله أهل السنَّة الوَسَطَ لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه، فأثبتوا لله ﷿ عموم القدرة والمشيئة، وأنه تعالى١ أن يكون في ملكه ما لا يشاء، أو يشاء ما لا يكون، وأنَّ أهل سمواته وأرضه أعجزُ وأضعفُ مِنْ أن يخلقوا ما لا يخلقُه الله أو يُحْدِثوا ما لا يشاؤه٢، بل ما شاء الله كان ووَجَبَ وجودُه بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن وامتنَع وجودُه لعدم مشيئته له٣، وأنه لا حول ولا قوَّة إلا به، ولا تتحرَّك في العالم العُلويِّ والسُّفليِّ ذرَّةٌ إلا بإذنه.

ومع ذلك فله في كلِّ ما خلق وقضى وقدَّر وشرع من الحِكَم البالغة والعواقب الحميدة ما اقتضاه كمالُ حكمته وعلمه، وهو العليمُ الحكيم؛ فما خلق شيئًا ولا قضاه ولا شرعَه إلا لحكمةٍ بالغة، وإن تقاصَرَت عنها عقولُ البشر، فهو الحكيمُ القدير، فلا تُجْحَدُ حكمتُه كما لا تُجْحَدُ قدرتُه.

والطَّائفة الأولى جَحَدت الحكمة، والثَّانية جَحَدت القدرة، والأمَّةُ الوسطُ أثبتت له كمال الحكمة وكمال القدرة.

فالفرقةُ الأولى تشهدُ في المعصية مجرَّدَ المشيئة والخَلق العاري عن الحكمة، وربَّما شَهِدَت الجَبْرَ وأنَّ حركاتهم بمنزلة حركات الأشجار ونحوها.

والفرقةُ الثَّانية تشهدُ في المعصية مجرَّدَ كونها فاعلةً محدِثةً مختارةً هي التي شاءت ذلك بدون مشيئة الله.

  1. (١) (ح): «وأنه يتعالى».
  2. (٢) (ح): «ما لا يشاء». (ق): «ما لم يشأ». (د): «ما لم يشاءه».
  3. (٣) (ح): «لعدم المشيئة له».
807

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي