وهذان المشهدان يَطْرحان العبدَ على باب المحبة، ويفتحان له من المعارف والعلوم أمورًا لا يُعَبَّرُ عنها.
وهذا بابٌ عظيمٌ من أبواب المعرفة قلَّ من استفتحه من النَّاس، وهو شهودُ الحكمة البالغة في قضاء السيِّئات وتقدير المعاصي، وإنما استفتح النَّاسُ بابَ الحِكَم في الأوامر والنَّواهي، وخاضوا فيها، وأتوا بما وصلت إليه علومُهم، واستفتحوا أيضًا بابها في المخلوقات، كما قدَّمناه، وأتوا فيه بما وصلت إليه قُواهم، وأمَّا هذا البابُ فكما رأيتَ كلامهم فيه، فقلَّ أن ترى لأحدهم١ فيه ما يشفي أو يُلِمُّ٢.
وكيف يطَّلعُ على حكمة هذا الباب من عنده أنَّ أعمال العباد ليست مخلوقةً لله، ولا داخلةً تحت مشيئته أصلًا؟! وكيف يتطلَّبُ لها حكمةً أو يثبتُها؟!
أم كيف يطَّلعُ عليها من يقول: هي خلقُ الله، ولكنَّ أفعاله غيرُ معلَّلةٍ بالحِكَم ولا تَدْخُلها لامُ تعليلٍ أصلًا، وإن جاء شيءٌ من ذلك صُرِف إلى لام العاقبة لا إلى لام العلَّة والغاية، فإذا جاءت الباءُ في أفعاله صُرِفت إلى باء المصاحبة لا إلى باء السَّببية؟!
وإذا كان المتكلِّمون عند النَّاس هم هؤلاء الطَّائفتين، فإنهم لا يرون الحقَّ خارجًا عنهما، ثمَّ كثيرٌ من الفضلاء يتحيَّر إذا رأى بعض أقوالهم الفاسدة من ...٣، ولا يدري أين يذهب.
(١) (ح): «لأحد».
(٢) أي: أو يأتي بقريبٍ من الشِّفاء.
(٣) بياض بمقدار كلمة في (ت، د، ق). وفي (ح): «مر» بدل «من». والعبارة في (ن): «من لا يدري أين يذهب».
ولما عُرِّبت كتبُ الفلاسفة صار كثيرٌ من النَّاس إذا رأى أقوال المتكلِّمين الضعيفة، وقد قالوا: إنَّ هذا هو الذي جاء به الرسول= قَطَع القنطرةَ وعدَّى١ إلى ذلك البرِّ٢، وكلُّ هذا من الجهل القبيح والظَّنِّ الفاسد أنَّ الحقَّ لا يخرجُ عن أقوالهم، فما أكثر خروجَ الحقِّ عن أقوالهم! وما أكثر ما يذهبون في المسائل التي هي حقٌّ وصوابٌ٣ إلى خلاف الصَّواب!
والمقصودُ أنَّ المتكلِّمين لو أجمعوا على شيءٍ لم يكن إجماعُهم حجَّةً عند أحدٍ من العلماء، فكيف إذا اختلفوا؟!
والمقصودُ أنَّ مشاهدة حكمة الله في أقضيته وأقداره التي يُجْرِيها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هي من ألطف ما تكلَّم فيه النَّاسُ وأدقِّه وأغمضِه، وفي ذلك حِكَمٌ لا يعلمها إلا الحكيمُ العليمُ سبحانه، ونحن نشيرُ إلى بعضها:
فمنها: أنه سبحانه يحبُّ التَّوابين، حتى إنَّ مِنْ محبَّته لهم أنه يفرحُ بتوبة أحدهم أعظمَ من فرح الواجد٤ لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرض الدَّوِّيَّة المَهْلَكة٥ إذا فقدها وأيِسَ منها٦، وليس في أنواع الفرح
(١) (ح): «فقطع القنطرة وعبر».
(٢) أي: صار إلى قول الفلاسفة وكتبهم.
(٣) (ح): «الحق والصواب».
(٤) (ت، ن، ق): «الواحد».
(٥) الدوية: الفلاة الواسعة. وهي المهلكة؛ لأن الأرواح تهلك فيها.