فكمالُ الآدميِّ في هذه الدَّار١ بالتَّوبة النَّصُوح، وفي الآخرة بالنَّجاة من النَّار ودخول الجنة، وهذا الكمالُ مرتَّبٌ على كماله الأوَّل.
والمقصودُ أنه سبحانه لمحبَّته التَّوبةَ وفرحه بها يقضي على عبده بالذَّنب، ثمَّ إن كان ممَّن سبقت له الحسنى قضى له بالتَّوبة، وإن كان ممَّن غَلَبت عليه شقاوتُه٢ أقام عليه حجَّةَ عدله وعاقبه بذنبه.
فصل
ومنها٣: أنه سبحانه يحبُّ أن يتفضَّل على عباده٤، ويُتِمَّ عليهم نِعَمَه، ويُرِيهم مواقع برِّه وكرمه، فلمحبَّته الإفضالَ والإنعامَ ينوِّعُه عليهم أعظمَ الأنواع وأكثرها في سائر الوجوه الظَّاهرة والباطنة.
ومِنْ أعظم أنواع الإحسان والبرِّ أن يحسِن إلى من أساء، ويعفُو عمَّن ظَلم، ويغفر لمن أذنب، ويتوب على من تابَ إليه، ويقبل عذرَ من اعتذر إليه.
وقد نَدَبَ عبادَه إلى هذه الشِّيَم الفاضلة والأفعال الحميدة، وهو أولى بها منهم وأحقُّ، وكان له في تقدير أسبابها من الحِكَم والعواقب الحميدةِ ما يَبْهَرُ العقول، فسبحانه وبحمده٥.
(١) (ن): «مشاهدة هذه الدار». (ت): «فكمال الآدمي مشاهدة الدار».
(٢) (ح): «الشقاوة».
(٣) أي: ومن حِكَم الله في قضاء السيئات وتقدير المعاصي على العباد.
(٤) (ح، ن): «يتفضل عليهم».
(٥) «وبحمده» ليست في (ح، ن).
وحكى بعض العارفين١ أنه قال: طفتُ في ليلةٍ مطيرةٍ شديدة الظُّلمة وقد خلا الطَّوافُ وطابت نفسي، فوقفتُ عند الملتَزم ودعوتُ، فقلت: «اللهمَّ اعصمني حتى لا أعصيك»، فهَتَف به هاتفٌ: أنت تسألني العصمة، وكلُّ عبادي يسألوني العصمة، فإذا عصمتُهم فعلى من أتفضَّل؟ ولمن أغفر؟ قال: فبقيتُ ليلتي إلى الصَّباح أستغفرُ الله حياءً منه٢.
هذا ولو شاء الله ﷿ أن لا يعصى في الأرض طرفةَ عَيْنٍ لم يُعْصَ، ولكن اقتضت مشيئتُه٣ ما هو مُوجَبُ حكمته سبحانه، فمن أجهلُ بالله ممَّن يقول: إنه يعصى قسرًا٤ بغير اختياره ومشيئته؟! ﷾٥ عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
فصل
ومنها: أنه سبحانه له الأسماءُ الحسنى، ولكلِّ اسمٍ من أسمائه أثرٌ من الآثار في الخلق والأمر لا بدَّ من ترتيبه عليه٦، كترتُّب المرزوق والرِّزق على
(١) هو إبراهيم بن أدهم، في «قوت القلوب» (٢/ ١٠٢)، و«الإحياء» (٤/ ١٥٢)، و«العاقبة» لعبد الحق (٣٢٠). وانظر: «مدارج السالكين» (١/ ٣٠١)، و«شفاء العليل» (٦١٧).
(٢) في رواية ابن ماجه (٧٥٧) لحديث أبي هريرة مرفوعًا في دعاء الخروج من المسجد: «اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم». وروي بلفظ: «اللهم باعدني من الشيطان»، «اللهم أجِرني من الشيطان الرجيم». ولا يصحُّ رفعه، إنما هو عن كعب الأحبار. انظر: «نتائج الأفكار» (١/ ٢٨٠).