ومنها: أنه سبحانه يعرِّفُ العبدَ حاجتَه إلى حفظه له ومعونته وصيانته، وأنه كالوليد١ الطِّفل في حاجته إلى من يحفظُه ويصونُه، فإن لم يحفظه مولاه الحقُّ ويصونه ويعينه٢ فهو هالكٌ ولا بدَّ، وقد مَدَّت الشياطينُ أيديها إليه من كلِّ جانبٍ تريدُ تمزيقَ حاله كلِّه، وإفسادَ شأنه كلِّه، وأنَّ مولاه وسيِّده إن وَكَلَه إلى نفسه وكَلَه إلى ضيعةٍ وعجزٍ وذنبٍ وخطيئةٍ وتفريط، فهلاكُه أدنى إليه من شِراك نعله.
فقد أجمع العلماءُ بالله على أنَّ التَّوفيق أن لا يَكِل الله العبدَ إلى نفسه، وأجمعوا على أنَّ الخِذلان أن يخلِّي بينه وبين نفسه٣.
فصل
ومنها: أنه سبحانه يَسْتَجْلِبُ مِنْ عبده بذلك ما هو من أعظم أسباب السَّعادة له٤؛ من استعاذته واستعانته به من شرِّ نفسه، وكيد عدوِّه، ومن أنواع الدُّعاء والتضرُّع، والابتهال والإنابة، والفاقة والمحبة، والرَّجاء والخوف، وأنواعٍ من كمالات العبد تبلغُ نحو المئة٥، ومنها ما لا تدركُه
(١) (ت): «كالولد».
(٢) كذا في الأصول، في الفعلين. والجادة حذف حرف العلة.
(٥) يريد المنازل التي ذكرها أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في «منازل السائرين»، وهي مئة منزلة، وقد شرحها المصنف في كتابه «مدارج السالكين».
العِبارة، وإنما يُدْرَكُ بوجوده، فيحصُل للرُّوح بذلك قُربٌ خاصٌّ لم يكن يحصُل بدون هذه الأسباب، ويجدُ العبدُ من نفسه كأنه مُلقًى على باب مولاه بعد أن كان نائيًا عنه، وهذا الذي أثمَر له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، وهو ثمرة: «لَلَّهُ أفرحُ بتوبة عبده»١.
وأسرارُ هذا الوجه يضيقُ عنها القلبُ واللسان، وعسى أن يجيئك في القسم الثَّاني من الكتاب ما تقرُّ به عينُك إن شاء الله تعالى٢.
فكم بين عبادة مُدِلٍّ على ربِّه بعبادته، شامخٍ بأنفه، كلَّما طُلِبَت منه٣ أوصافُ العبد قامت صُوَرُ تلك الأعمال في نفسه فحجبَته عن معبوده وإلهه، وبين عبادة من قد كَسَرَ الذلُّ قلبَه كلَّ الكَسْر٤، وأحرَق ما فيه من الرُّعونات والحماقات والخيالات، فهو لا يرى نفسَه مع الله إلا مسيئًا، كما لا يرى ربَّه إليه إلا محسنًا؛ فهو لا يرضى٥ نفسَه لله طرفةَ عين؛ قد كَسَرَ إزراؤه٦ على نفسه قلبَه، وذلَّل لسانَه وجوارحَه، وطأطأ منه ما ارتفع من غيره، فقلبُه واقفٌ بين يدي ربِّه وقوفَ ناكسِ الرَّأس، خاضعٍ٧ غاضِّ البصر، خاشع الصَّوت،
(١) والحديث في الصحيحين، وقد تقدم قريبًا.
(٢) انظر ما كتبناه في المقدمة حول تقسيم الكتاب.
(٣) (د، ق، ن، ت): «كلما طلب منه».
(٤) (ح): «كل الكسرة».
(٥) (د، ت): «يرى». وفي طرة (د): «لعله: يرضى». ولم يتنبه ناسخ (ق)، فجعلها: «يرضى يرى». والعبارة في (ح، ن): «لا يرى نفسه طرفة عين». والصواب المثبت. وانظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٩٤).