فلو لم يكن من ثمرة ذلك القضاء والقدر إلا هذا وحده لكفى به حكمة، والله المستعان.
فصل
ومنها: أنه سبحانه يستخرجُ بذلك مِنْ عبده تمامَ عبوديَّته؛ فإنَّ تمام العبوديَّة هو بتكميل مقام الذُّلِّ والانقياد، وأكملُ الخلق عبوديَّةً أكملُهم ذلًّا لله وانقيادًا وطاعة.
والعبدُ ذليلٌ لمولاه الحقِّ بكلِّ وجهٍ من وجوه الذلِّ؛ فهو ذليلٌ لعِزِّه، وذليلٌ لقهره١، وذليلٌ لربوبيَّته وتصرُّفه فيه، وذليلٌ لإحسانه إليه وإنعامه عليه؛ فإنَّ من أحسَن إليك فقد استَعْبَدك وصار قلبُك معبَّدًا له، وذليلٌ لغِنَاه٢؛ لحاجته إليه٣ على مدى الأنفاس في جلب كلِّ ما ينفعُه ودفع كلِّ ما يضرُّه.
وبقي نوعان٤ من أنواع التذلُّل والتعبُّد، لهما أثرٌ عجيب، ويقتضيان من صاحبهما من الطَّاعة والفوز٥ ما لا يقتضيه غيرُهما:
أحدهما: ذلُّ المحبة، وهذا نوعٌ آخرُ غيرُ ما تقدَّم، وهو خاصَّةُ المحبة ولبُّها، بل روحُها وقِوامُها وحقيقتُها، وهو المرادُ على الحقيقة من العبد لو فَطِن.
(١) (ت): «فهو ذليل العزة وذليل القهرية».
(٢) (ت، د، ق، ح): «تعبد». تحريف.
(٣) (ن): «وذليلا بقدر الحاجة إليه».
(٤) (ت، ح، ن): «وهنا نوعان».
(٥) (ت، ق، د): «والنور».
وهذا يستخرجُ مِنْ قلب المُحِبِّ من أنواع التقرُّب والتودُّد والتملُّق والإيثار والرِّضا والحمد والشُّكر والصَّبر والتقدُّم وتحمُّل العظائم ما لا يستخرجُه الخوفُ وحده، ولا الرَّجاءُ وحده؛ كما قال بعض الصَّحابة: «إنه ليسْتَخْرِجُ محبتُه من قلبي من طاعته ما لا يستخرجُه خوفُه»١ أو كما قال.
فهذا ذلُّ المحبِّين.
الثَّاني: ذلُّ المعصية؛ فإذا انضاف هذا إلى هذا هناك فَنِيَت الرُّسوم، وتلاشَت الأنفُس، واضمحلَّت القُوى٢، وبطَلَت الدَّعاوى جملة، وذهبت الرُّعونات، وطاحت الشَّطحات، ومُحِيَ من القلب واللسان: أنا وأنا، واستراح المسكينُ من شكاوى الصُّدود والإعراض والهجر، وتجرَّد الشُّهود، فلم يبق إلا شهودُ العزِّ والجلال المحض الذي تفرَّد به ذو الجلال والإكرام، الذي لا يشاركه أحدٌ من خلقه في ذرَّةٍ من ذرَّاته، وشهودُ الذُّلِّ والفقر المحض من جميع الوجوه بكلِّ اعتبار؛ فيشهدُ غاية ذلِّه وانكساره، وعزَّة محبوبه وجلاله وعظمته وقدرته وغِناه.
فإذا تجرَّد له هذان الشُّهودان، ولم يبق ذرَّةٌ من ذرَّات الذُّلِّ والفقر والضرورة إلى ربِّه شَهِدَها فيه بالفعل٣، وقد شَهِد مقابِلها هناك= فلِلَّه أيَّ
(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٣٦٣) عن الفضيل بن عياض، عن حكيمٍ من الحكماء. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢١٩) - ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٥٤) - عن وهب بن منبه عن حكيمٍ من الحكماء. ونسبه أبو طالب في «قوت القلوب» (٢/ ٩٠) لصهيب ﵁. وانظر: «بدائع الفوائد» (٩٥)، وما سيأتي (ص: ١٠٨٢).