ومنها: تعريفُه سبحانه عبدَه سَعة حِلْمه وكرمه في سَتره عليه، وأنه لو شاء لعاجَله على الذَّنب ولهَتَكه بين عباده، فلم يَطِب له معهم عيشٌ أبدًا، ولكن جلَّله بستره، وغشَّاه بحِلْمه، وقيَّض له من يحفظُه وهو في حالته تلك، بل كان شاهدًا وهو يبارزُه١ بالمعاصي والآثام، وهو مع ذلك يحرُسه بعينه التي لا تنام.
وقد جاء في بعض الآثار: «يقولُ الله تعالى: أنا الجوادُ الكريم، من أعظمُ مني جودًا وكرمًا؟! عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم في منازلِهم»٢.
فلولا حِلمُه ومغفرتُه٣ لما استقرَّت السَّمواتُ والأرض في أماكنهما.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٩٣) عن الفضيل بن عياضٍ في سياقٍ طويل. وهو في «مسند الفردوس» للديلمي (٥/ ٢٤٧) مرفوعًا من حديث إبراهيم بن هدبة عن أنس، وإسناده تالف، ابن هدبة كذاب. انظر: «الميزان» (١/ ٧١).
(٣) (ق): «حلمه وكرمه ومغفرته».
فصل
ومنها: تعريفُه عبدَه أنه لا سبيل له إلى النَّجاة إلا بعفوه ومغفرته١، وأنه رَهِينٌ بحقِّه، فإن لم يتغمَّده بعفوه ومغفرته وإلا فهو٢ من الهالكين لا محالة، فليس أحدٌ من خلقه إلا وهو محتاجٌ إلى عفوه ومغفرته، كما هو محتاجٌ إلى فضله ورحمته.
فصل
ومنها: تعريفُه عبدَه٣ كرمَه سبحانه في قبول توبته، ومغفرته له على ظلمه وإساءته؛ فهو الذي جاد عليه بأن وفَّقه للتَّوبة، وألهمه إياها، ثمَّ قَبِلها منه؛ فتاب عليه أوَّلًا وآخرًا.
فتوبةُ العبد محفوفةٌ بتوبةٍ قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبةٍ ثانيةٍ منه عليه قبولًا ورضًا؛ فله الفضلُ في التَّوبة والكرمُ أوَّلًا وآخرًا، لا إله إلا هو.
فصل
ومنها: إقامةُ حجَّة عدله على عبده ليعلم العبدُ أنَّ لله عليه الحجَّة البالغة، فإذا أصابه ما أصابه٤ من المكروه فلا يقل: أنى هذا؟ ولا: مِنْ أين أُتِيت؟ ولا: بأيِّ ذنبٍ أُصِبت؟ فما أصاب العبدَ من مصيبةٍ قطُّ دقيقةٍ ولا جليلةٍ إلا
(١) (ت): «بعفوه ومعونته ومغفرته».
(٢) كذا في الأصول. واستعمال (إلا) في مثل هذا يقع في كتب المصنف، وبخطه في «طريق الهجرتين» (٤٤، ٢٢٧). وهو خلاف الجادة.