ومنها: تعريفُه عبدَه أنه لا سبيل له إلى النَّجاة إلا بعفوه ومغفرته١، وأنه رَهِينٌ بحقِّه، فإن لم يتغمَّده بعفوه ومغفرته وإلا فهو٢ من الهالكين لا محالة، فليس أحدٌ من خلقه إلا وهو محتاجٌ إلى عفوه ومغفرته، كما هو محتاجٌ إلى فضله ورحمته.
فصل
ومنها: تعريفُه عبدَه٣ كرمَه سبحانه في قبول توبته، ومغفرته له على ظلمه وإساءته؛ فهو الذي جاد عليه بأن وفَّقه للتَّوبة، وألهمه إياها، ثمَّ قَبِلها منه؛ فتاب عليه أوَّلًا وآخرًا.
فتوبةُ العبد محفوفةٌ بتوبةٍ قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبةٍ ثانيةٍ منه عليه قبولًا ورضًا؛ فله الفضلُ في التَّوبة والكرمُ أوَّلًا وآخرًا، لا إله إلا هو.
فصل
ومنها: إقامةُ حجَّة عدله على عبده ليعلم العبدُ أنَّ لله عليه الحجَّة البالغة، فإذا أصابه ما أصابه٤ من المكروه فلا يقل: أنى هذا؟ ولا: مِنْ أين أُتِيت؟ ولا: بأيِّ ذنبٍ أُصِبت؟ فما أصاب العبدَ من مصيبةٍ قطُّ دقيقةٍ ولا جليلةٍ إلا
(١) (ت): «بعفوه ومعونته ومغفرته».
(٢) كذا في الأصول. واستعمال (إلا) في مثل هذا يقع في كتب المصنف، وبخطه في «طريق الهجرتين» (٤٤، ٢٢٧). وهو خلاف الجادة.
(٣) (د، ن، ق، ح): «عباده».
(٤) (ت، ق): «فإذا أصابه بما أصابه».
بما كسبت يداه وما يعفو الله عنه أكثر، و«ما نزل بلاءٌ قطُّ إلا بذنبٍ ولا رُفِع إلا بتوبة»١.
ولهذا وضع اللهُ المصائبَ والبلايا والمحن رحمةً بين عباده يكفِّرُ بها مِنْ خطاياهم، فهي من أعظم نِعَمه عليهم وإن كرهتها أنفسُهم، ولا يدري العبدُ أيُّ النعمتين عليه أعظم: نعمتُه عليه فيما يكره، أو نعمتُه عليه فيما يحبُّ؟ و«ما يصيبُ المؤمن من همٍّ ولا وَصَبٍ ولا أذًى، حتى الشوكة يُشاكُها إلا كفَّر الله بها من خطاياه»٢.
وإذا كان للذُّنوب عقوباتٌ ولا بدَّ، فكلُّ ما عُوقِب به العبدُ من ذلك قبل الموت خيرٌ له مما بعده وأيسرُ وأسهلُ بكثير.
فصل
ومنها: أن يعامِل العبدُ بني جنسه في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحبُّ أن يعامله الله به في إساءته وزلَّاته وذنوبه؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل؛ فمن عفا عفا الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته إليه سامحه الله في إساءته٣، ومن أغضى وتجاوز تجاوز اللهُ عنه، ومن استقصى استقصى اللهُ عليه.
(١) كما قال العباس بن عبد المطلب حين استسقى به عمر ﵄، فيما أخرجه الدينوري في «المجالسة» (٧٢٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٦/ ٣٥٩) بإسناد ضعيفٍ جدًّا. وانظر: «الفتح» (٢/ ٤٩٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٤١)، ومسلم (٢٥٧٣) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.