مفتاح دار السعادة

فالذَّنبُ في حقِّ مثل هذا من أعظم أسباب رحمته، ومع هذا فيقيمُ أمرَ الله فيهم، طاعةً لله ورحمةً بهم وإحسانًا إليهم، إذ هو عينُ مصلحتهم١، لا غلظةً ولا قوَّةً ولا فظاظة.

فصل

ومنها: أن يخلع صَوْلة الطَّاعة من قلبه، ويَنْزِع عنه رداء الكِبْر والعظمة الذي ليس له، ويلبس رداء الذلِّ والانكسار والفقر والفاقة، فلو دامت تلك الصَّولةُ والعزَّةُ في قلبه لخِيفَ عليه ما هو مِنْ أعظم الآفات، كما في الحديث: «لو لم تذنبوا لخِفتُ عليكم ما هو أشدُّ من ذلك: العُجْب»٢، أو كما قال ﷺ.

فكم بين آثار العُجْب والكِبْر وصَوْلة الطَّاعة، وبين آثار الذُّلِّ والانكسار!

كما قيل: «يا آدم! لا تجزع من كأس زلَّةٍ٣ كانت سبب كَيْسِك، فقد

  1. (١) (ت): «عين حظهم».
  2. (٢) أخرجه البزار (٤/ ٢٤٤ - كشف الأستار)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٥٩)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣٠٦)، والبيهقي في «الشعب» (١٢/ ٥٢٥)، وغيرهم من حديث سلام بن أبي الصهباء عن ثابت عن أنس.
    وسلَّام ضعيف، وقال العقيلي: «لا يتابع عليه عن ثابت. وقد رُوِي بغير هذا الإسناد بإسنادٍ صالح». وقال الذهبي في «الميزان» (٢/ ١٨٠): «ما أحسنه من حديثٍ لو صحَّ!». وانظر: «الكامل» (٧/ ٢٤٠)، و«المداوي» (٥/ ٣١٧)، و«السلسلة الصحيحة» (٦٥٨).
    وفي طرة (ق): «هو في جامع أبي مسلم الكسي من حديث أنس».
  3. (٣) (د، ت، ق): «كأس زلل». وفي «المدهش» (١٦٢): «كأس خطإ».
829

استخرج منك داء العُجْب، وأُلبِستَ رداء العبوديَّة١.

يا آدم! لا تجزع من قولي لك: اخرج منها، فلك خلقتُها، ولكن انزل إلى دار المجاهدة، وابذُر بَذْر العبوديَّة، فإذا كمُل الزَّرعُ واستحصد فتعال فاستَوفِه»٢.

لا يُوحِشَنَّكَ ذاكَ العَتْبُ إنَّ لهلُطفًا يُرِيكَ الرِّضا في حالةِ الغضب

فبينما هو لابسٌ ثوب الإدلال الذي لا يليقُ بمثله، تداركه ربُّه برحمته فنزعه عنه، وألبسَه ثوبَ الذُّلِّ الذي لا يليقُ بالعبد غيرُه.

فما لبس العبدُ ثوبًا أكمل عليه ولا أحسن ولا أبهى من ثوب العبوديَّة، وهو ثوبُ المذلَّة الذي لا عزَّ له بغيره.

فصل

ومنها: أنَّ لله ﷿ على القلوب أنواعًا من العبوديَّة؛ من الخشية والخوف والإشفاق وتوابعها؛ ومن المحبة٣ والإنابة وابتغاء الوسيلة إليه وتوابعها.

وهذه العبوديَّاتُ لها أسبابٌ تهيِّجُها وتبعثُ عليها، فكلُّ ما قيَّضه الربُّ تعالى لعبده من الأسباب الباعثة على ذلك المهيِّجة له فهو من أسباب رحمته له، ورُبَّ ذنبٍ قد هاجَ لصاحبه من الخوف والإشفاق والوَجَل

  1. (١) «المدهش»: «وألبسك رداء النسك».
  2. (٢) انظر ما تقدم (ص: ٢٦). والمدهش (١٦٢، ٧٠١).
  3. (٣) (ق): «من المحبة».
830

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي