مفتاح دار السعادة

فإذا طالبت العبدَ نفسُه بما تطالبه به من الحظوظ والأقسام وأرَتْه أنه في بليَّةٍ وضائقةٍ تداركه الله برحمته، وابتلاه ببعض الذُّنوب، فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة، وأنه لا نسبة لما كان فيه من النِّعم إلى ما طلبته نفسُه من الحظوظ؛ فحينئذٍ يكون أكثرُ أمانيه وآماله العَوْدَ إلى حاله وأن يمتِّعه الله بعافيته.

فصل

ومنها: أنَّ التَّوبة توجبُ للتَّائب آثارًا عجيبةً من المعاملة التي لا تحصُل بدونها، فتوجبُ له من المحبة والرقَّة واللُّطف وشكر الله وحمده والرِّضا عنه عبوديَّاتٍ أُخَر؛ فإنه إذا تابَ إلى الله قَبِل الله توبتَه، فرتَّب له على ذلك القبول أنواعًا من النِّعم لا يهتدي العبدُ لتفاصيلها، بل لا يزالُ يتقلَّبُ في بركتها وآثارها ما لم ينقضها١ ويفسدها.

فصل

ومنها: أنَّ الله سبحانه يحبُّه ويفرحُ بتوبته أعظمَ فرح؛ وقد تقرَّر أنَّ الجزاء من جنس العمل، فلا ينسى٢ الفرحة التي يظفرُ٣ بها عند التَّوبة النَّصوح٤.

  1. (١) (ت): «ينقصها». بالمهملة.
  2. (٢) مهملة في (د). (ت): «تنسى». وفي «غذاء الألباب» (٢/ ٤٦٧): «تنس». ولستُ منها على ثقة.
  3. (٣) (ت) و«غذاء الألباب»: «تظفر». وحرف المضارعة مهمل في (د).
  4. (٤) انظر: «طريق الهجرتين» (٥٢٩)، و«الروح» (٢٤٩).
832

وتأمَّل كيف تجدُ القلبَ يرقُص فرحًا وأنت لا تدري سببَ ذلك الفرح ما هو، وهذا أمرٌ لا يحسُّ به إلا حيُّ القلب، وأمَّا ميِّتُ القلب فإنما يجدُ الفرحَ عند ظفره بالذَّنب، ولا يعرفُ فرحًا غيره.

فوازِنْ إذن بين هذين الفرحَيْن، وانظر ما يُعْقِبُه فرحُ الظَّفر بالذَّنب من أنواع الأحزان والهموم والغموم والمصائب؛ فمن يشتري فرحة ساعةٍ بغمِّ الأبد؟! وانظر ما يُعْقِبُه فرحُ الظَّفر بالطَّاعة والتَّوبة النَّصوح من الانشراح الدَّائم والنَّعيم وطِيب العَيْش، ووازِنْ بين هذا وهذا، ثمَّ اختَر ما يليقُ بك ويناسبك. وكلٌّ يعملُ على شاكلته.

* وكلُّ امراءٍ يصبو إلى ما يناسبُه *١

فصل

ومنها: أنه إذا شهد ذنوبَه ومعاصيه وتفريطه في حقِّ ربِّه استَكثر القليلَ من نِعَم ربِّه عليه ــ ولا قليلَ منه ــ لعلمه بأنَّ الواصل إليه منها٢ كثيرٌ على مسيءٍ مثله، واستقلَّ الكثير من عمله لعلمه بأنَّ الذي ينبغي أن يغسل به نجاستَه وأوضارَه وأوساخَه أضعافُ ما يأتي به؛ فهو دائمًا مستقلٌّ لعمله كائنًا ما كان، مستكثرٌ لنعمة الله عليه وإن دقَّت.

وقد تقدَّم التنبيهُ على هذا الوجه٣، وهو من ألطف الوجوه، فعليك

  1. (١) عجز بيتٍ ذكره المصنف في «مدارج السالكين» (٢/ ٣٨٦)، و«بدائع الفوائد» (٦٧٣) دون نسبة. وصدره:
    * وكل امرئٍ يهفو إلى من يحبُّه *
  2. (٢) (ت، ن، ق، د): «إليه فيها».
  3. (٣) (ص: ٨٢٢).
833

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي