بماذا يَسْتَدْفِعُ شرَّهم وكيدَهم؛ فلو أنه مرَّ عليهم على غِرَّةٍ١ وطمأنينةٍ لم يأمن أن يظفروا به ويجتاحُوه جملةً.
فصل
ومنها: أنَّ القلبَ يكونُ ذاهلًا عن عدوِّه معرضًا عنه، مشتغلًا ببعض مهمَّاته، فإذا أصابه سهمٌ من عدوِّه اسْتَجْمَعَت له قوَّتُه وجأشُه٢ وحميَّته، وطلب بثأره إن كان قلبُه حرًّا كريمًا، كالرَّجل الشجاع إذا جُرِحَ فإنه لا يقومُ له شيء، بل تراه بعدها هائجًا طالبًا مِقْدامًا٣، والقلبُ الجبانُ المَهِينُ إذا جُرِح كالرَّجل الضعيف المَهِين إذا جُرحَ ولى هاربًا٤ والجِراحاتُ في أكتافه، وكذلك الأسدُ إذا جُرِح فإنه لا يُطاق.
فلا خير فيمن لا مروءة له بطلب أخذ ثأره من أعدى عدوِّه، فما شيءٌ أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوِّه، ولا عدوَّ أعدى له من الشيطان، فإن كان من قلوب الرجال المتسابقين في حَلَبة المجد جدَّ في أخذ الثَّأر، وغاظ عدوَّه كلَّ الغَيظ، وأنضاه٥، كما جاء عن بعض السَّلف: «إنَّ المؤمن ليُنضِي شيطانَه كما يُنضِي أحدُكم بعيرَه في سفره»٦.
(٦) جاء مرفوعًا عند أحمد (٢/ ٣٨٠) من حديث أبي هريرة بإسنادٍ فيه ضعف. وانظر: «المداوي» (٢/ ٤١٤)، و«السلسلة الصحيحة» (٣٥٨٦).
فصل
ومنها: أنَّ مثل هذا يصيرُ كالطَّبيب ينتفعُ به المرضى في علاجهم ودوائهم، والطَّبيبُ الذي كان المرضُ يباشرُه١ وعَرَف دواءه وعلاجَه أحذقُ وأخبرُ من الطَّبيب الذي إنما عَرَفه وصفًا، هذا في أمراض الأبدان، وكذلك في أمراض القلوب وأدوائها.
وهذا معنى قول بعض الصُّوفية: «أعرفُ النَّاس بالآفات أكثرُهم آفات»٢.
وقال عمرُ بن الخطَّاب ﵁: «إنما تُنقض عُرى الإسلام عُروةً عُروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرفُ الجاهليَّة»٣.
(١) (ت، د، ق): «كان المرض مباشره».
(٢) أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (١٦١)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٦٧) عن الجنيد.
(٣) أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/ ١٩٣)، وابن سعد في «الطبقات» (٦/ ١٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٤٣)، وصححه الحاكم (٤/ ٤٢٨) ولم يتعقبه الذهبي، عن عمر ﵁ قال: «قد علمتُ وربِّ الكعبة متى تهلكُ العرب، إذا ساس أمرَهم من لم يصحب الرسول ولم يُعالِج أمرَ الجاهلية». وتفسيره في «الجعديات» (٢/ ١٨٠)، و«شعب الإيمان» (١٣/ ٢٠٥). ولم أر من سبق ابن تيمية إلى إيراد هذا اللفظ الذي ذكره المصنف. انظر: «درء التعارض» (٥/ ٢٥٩)، و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٠١)، و«منهاج السنة» (٤/ ٥٩٠). ولعله لفَّقه سهوًا من حديث أبي أمامة وأثر عمر (الذي ذكرتُ روايته)، حيث ساقهما البيهقي في «الشعب» متتابعين، كما نبَّه على ذلك بعضهم.