مفتاح دار السعادة

ولهذا كان الصَّحابةُ أعرفَ الأمَّة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه، وأشدَّ النَّاس رغبةً فيه، ومحبةً له، وجهادًا لأعدائه، وتكلُّمًا بأعلامه، وتحذيرًا من خلافه؛ لكمال علمهم بضدِّه، فجاءهم الإسلامُ كلُّ خصلةٍ منه مضادَّةٌ لكلِّ خصلةٍ مما كانوا عليه، فازدادوا له معرفةً وحبًّا، وفيه جهادًا؛ بمعرفتهم بضدِّه.

وذلك بمنزلة من كان في حَصَرٍ شديدٍ وضيقٍ ومرضٍ وفقرٍ وخوفٍ ووَحْشَة، فقيَّض الله له من نقله منه إلى فضاءٍ وسَعةٍ وأمنٍ وعافيةٍ وغِنًى وبهجةٍ ومسرَّة، فإنه يزدادُ سرورُه وغِبطتُه ومحبتُه بما نُقِل إليه بحسب معرفته بما كان فيه.

وليس حالُ هذا كمن وُلِد في الأمن والعافية والغِنى والسُّرور، فإنه لم يشعُر بغيره، وربما قُيِّضت١ له أسبابٌ تخرجُه عن ذلك إلى ضدِّه وهو لا يشعُر، وربما ظنَّ أنَّ كثيرًا من أسباب الهلاك والعَطب تفضي به إلى السَّلامة والأمن والعافية، فيكون هلاكُه على يَدَي نفسه وهو لا يشعُر. وما أكثر هذا الضَّربَ من النَّاس!

فإذا عَرَف الضدَّين، وعَلِم مباينةَ الطَّرفين٢، وعَرَف أسبابَ الهلاك على التفصيل، كان أحرى أن تدُوم له النِّعمة، ما لم يُؤْثِر أسبابَ زوالها على عِلم، وفي مثل هذا قال القائل:

عرفتُ الشَّرَّ لا للشَّرْرِ لكنْ لِتَوقِّيهِ
  1. (١) (ن): «اقتضت».
  2. (٢) (ت، ق): «الطريقين».
837
ومن لا يَعْرِف الشَّرَّمن النَّاسِ يَقَعْ فيهِ١

وهذه حالُ المؤمن؛ يكونُ فَطِنًا حاذقًا، أعرَف النَّاس بالشرِّ، وأبعدَهم منه، فإذا تكلَّم في الشرِّ وأسبابه ظننتَه مِنْ شرِّ النَّاس، فإذا خالطتَه وعرفتَ طويَّته رأيتَه من أبرِّ النَّاس.

والمقصودُ أنَّ من بُلي بالآفات صار من أعرف النَّاس بطرقها، وأمكنه أن يسدَّها على نفسه وعلى من استنصحه من النَّاس ومن لم يستنصحه٢.

فصل

ومنها: أنه سبحانه يذيقُ عبدَه ألمَ الحجاب عنه، والبُعد، وزوال ذلك الأُنس والقُرب؛ ليمتحن عبدَه:

فإن أقام على الرِّضا بهذه الحال، ولم يجد نفسَه تطالبُه بحالها الأوَّل مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره= عَلِم أنه لا يصلُح، فوضعه في مرتبته التي تليقُ به.

وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتقلَّق تقلُّق المكروب٣،

ودعا دعاء المضطرِّ، وعَلِم أنه قد فاته حياتُه٤ حقًّا، فهو يهتفُ بربِّه أن يردَّ عليه حياته،

  1. (١) البيتان لأبي فراس، في ديوانه (٣٦٩)، و«اليتيمة» (١/ ٨٤)، و«الحماسة المغربية» (١٢٥٣). ودون نسبة في مصادر كثيرة.
  2. (٢) (ح، ن): «وعلى من استصحبه من الناس ومن لم يستصحبه».
  3. (٣) كذا في الأصول. والتقلُّق تفعُّلٌ من القَلَق، كالتفزُّع. ولم تذكره المعاجم. قال ابن قلاقس (ت: ٥٦٧):
    هو راتبٌ قد كنتُ أرقبُ نجمَه ... فهوى وقد جعل التقلُّقَ راتبي
  4. (٤) كذا في الأصول، بتذكير الفعل، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
838

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي