مفتاح دار السعادة
ومن لا يَعْرِف الشَّرَّمن النَّاسِ يَقَعْ فيهِ١

وهذه حالُ المؤمن؛ يكونُ فَطِنًا حاذقًا، أعرَف النَّاس بالشرِّ، وأبعدَهم منه، فإذا تكلَّم في الشرِّ وأسبابه ظننتَه مِنْ شرِّ النَّاس، فإذا خالطتَه وعرفتَ طويَّته رأيتَه من أبرِّ النَّاس.

والمقصودُ أنَّ من بُلي بالآفات صار من أعرف النَّاس بطرقها، وأمكنه أن يسدَّها على نفسه وعلى من استنصحه من النَّاس ومن لم يستنصحه٢.

فصل

ومنها: أنه سبحانه يذيقُ عبدَه ألمَ الحجاب عنه، والبُعد، وزوال ذلك الأُنس والقُرب؛ ليمتحن عبدَه:

فإن أقام على الرِّضا بهذه الحال، ولم يجد نفسَه تطالبُه بحالها الأوَّل مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره= عَلِم أنه لا يصلُح، فوضعه في مرتبته التي تليقُ به.

وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتقلَّق تقلُّق المكروب٣،

ودعا دعاء المضطرِّ، وعَلِم أنه قد فاته حياتُه٤ حقًّا، فهو يهتفُ بربِّه أن يردَّ عليه حياته،

  1. (١) البيتان لأبي فراس، في ديوانه (٣٦٩)، و«اليتيمة» (١/ ٨٤)، و«الحماسة المغربية» (١٢٥٣). ودون نسبة في مصادر كثيرة.
  2. (٢) (ح، ن): «وعلى من استصحبه من الناس ومن لم يستصحبه».
  3. (٣) كذا في الأصول. والتقلُّق تفعُّلٌ من القَلَق، كالتفزُّع. ولم تذكره المعاجم. قال ابن قلاقس (ت: ٥٦٧):
    هو راتبٌ قد كنتُ أرقبُ نجمَه ... فهوى وقد جعل التقلُّقَ راتبي
  4. (٤) كذا في الأصول، بتذكير الفعل، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
838

ويعيد عليه ما لا حياة له بدونه= عَلِم أنه موضعٌ لما أُهِّل له، فردَّ عليه أحوجَ ما هو إليه، فعظُمت به فرحتُه، وكمُلت به لذَّتُه، وتمَّت به نعمتُه١، واتصل به سرورُه، وعَلِم حينئذٍ مقدارَه، فعَضَّ عليه بالنَّواجذ، وثنى عليه الخناصر، وكان حالُه كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرض المَهْلَكة إذا وجدها بعد معاينة الهلاك؛ فما أعظم موقع ذلك الوِجْدان عنده!

ولله أسرارٌ وحِكَمٌ ومنبِّهاتٌ وتعريفاتٌ لا تنالها عقولُ البشر.

فقُل لغليظِ القلب ويحكَ ليسَ ذابِعُشِّكَ فادْرُجْ طالبًا عُشَّكَ البالي
ولا تكُ ممَّن مَدَّ باعًا إلى جَنًىفقَصَّرَ عنه قال ذا ليسَ بالحالي٢

فالعبدُ إذا بُلي بعد الأُنس بشيءٍ من الوَحْشة، وبعد القُرب صَلِي بنار البِعاد٣، اشتاقت نفسُه إلى لذَّة تلك المعاملة، فحنَّت وأنَّت وتضرَّعت٤ وتعرَّضت لنفحات من ليس لها منه عِوَضٌ أبدًا، ولا سيَّما إذا تذكَّرت برَّه ولطفه وحنانه وقُربه؛ فإنَّ هذه الذكرى تمنعُها القرار وتهيِّجُ منها البلابل٥، كما قال القائل ــ وقد فاته طوافُ الوداع، فركب الأخطار ورجع إليه ــ:

ولما تذكَّرتُ المنازلَ بالحِمىولم يُقْضَ لي تسليمةُ المتزَوِّد
تيقَّنتُ أنَّ العَيْشَ ليس بنافعيإذا أنا لم أنظُر إليها بموعدِ٦
  1. (١) «وتمت به نعمته» ليست في (ح، ن).
  2. (٢) أي: ليس بالحلو. والبيتان أشبه بنظم المصنف.
  3. (٣) (ن، ح): «بعد الأنس بالوحشة وبعد القرب بنار البعاد».
  4. (٤) (ن، ح): «وتصدعت».
  5. (٥) وهي الهموم والوساوس في الصدر. «اللسان» (بلل).
  6. (٦) البيت الأول في «الموازنة» (٢/ ٤٧)، و«شرح نهج البلاغة» (٨/ ١٢٨) للعلوي البصري صاحب الزنج، وفي «ذيل الأمالي» (١٢٠) من إنشاد الزبير بن بكار لبعض البصريين القشيريين، و«التذكرة الحمدونية» (٦/ ٦٠) لبعض بني قشير، وأنشده ثعلب من أبياتٍ في «المحب والمحبوب» (٢/ ٨١).
    قال شيخنا الإصلاحي: وجواب (لما) في الأبيات المرويَّة: زفرتُ إليها زفرةً ...، وهنا: تيقنتُ ...؛ فالظاهر أن بعضهم ضمَّن البيت القديم في شعره.
839

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي