مفتاح دار السعادة

ويعيد عليه ما لا حياة له بدونه= عَلِم أنه موضعٌ لما أُهِّل له، فردَّ عليه أحوجَ ما هو إليه، فعظُمت به فرحتُه، وكمُلت به لذَّتُه، وتمَّت به نعمتُه١، واتصل به سرورُه، وعَلِم حينئذٍ مقدارَه، فعَضَّ عليه بالنَّواجذ، وثنى عليه الخناصر، وكان حالُه كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرض المَهْلَكة إذا وجدها بعد معاينة الهلاك؛ فما أعظم موقع ذلك الوِجْدان عنده!

ولله أسرارٌ وحِكَمٌ ومنبِّهاتٌ وتعريفاتٌ لا تنالها عقولُ البشر.

فقُل لغليظِ القلب ويحكَ ليسَ ذابِعُشِّكَ فادْرُجْ طالبًا عُشَّكَ البالي
ولا تكُ ممَّن مَدَّ باعًا إلى جَنًىفقَصَّرَ عنه قال ذا ليسَ بالحالي٢

فالعبدُ إذا بُلي بعد الأُنس بشيءٍ من الوَحْشة، وبعد القُرب صَلِي بنار البِعاد٣، اشتاقت نفسُه إلى لذَّة تلك المعاملة، فحنَّت وأنَّت وتضرَّعت٤ وتعرَّضت لنفحات من ليس لها منه عِوَضٌ أبدًا، ولا سيَّما إذا تذكَّرت برَّه ولطفه وحنانه وقُربه؛ فإنَّ هذه الذكرى تمنعُها القرار وتهيِّجُ منها البلابل٥، كما قال القائل ــ وقد فاته طوافُ الوداع، فركب الأخطار ورجع إليه ــ:

ولما تذكَّرتُ المنازلَ بالحِمىولم يُقْضَ لي تسليمةُ المتزَوِّد
تيقَّنتُ أنَّ العَيْشَ ليس بنافعيإذا أنا لم أنظُر إليها بموعدِ٦
  1. (١) «وتمت به نعمته» ليست في (ح، ن).
  2. (٢) أي: ليس بالحلو. والبيتان أشبه بنظم المصنف.
  3. (٣) (ن، ح): «بعد الأنس بالوحشة وبعد القرب بنار البعاد».
  4. (٤) (ن، ح): «وتصدعت».
  5. (٥) وهي الهموم والوساوس في الصدر. «اللسان» (بلل).
  6. (٦) البيت الأول في «الموازنة» (٢/ ٤٧)، و«شرح نهج البلاغة» (٨/ ١٢٨) للعلوي البصري صاحب الزنج، وفي «ذيل الأمالي» (١٢٠) من إنشاد الزبير بن بكار لبعض البصريين القشيريين، و«التذكرة الحمدونية» (٦/ ٦٠) لبعض بني قشير، وأنشده ثعلب من أبياتٍ في «المحب والمحبوب» (٢/ ٨١).
    قال شيخنا الإصلاحي: وجواب (لما) في الأبيات المرويَّة: زفرتُ إليها زفرةً ...، وهنا: تيقنتُ ...؛ فالظاهر أن بعضهم ضمَّن البيت القديم في شعره.
839

وإن استمرَّ إعراضها ولم تَحِنَّ إلى مَعْهَدها الأوَّل١، ولم تحسَّ بفاقتها الشديدة وضرورتها إلى مراجعة قربها من ربها؛ فهي ممَّن إذا غاب لم يُطْلب، وإذا أبَق لم يُسْتَرجع، وإذا جنى لم يُسْتَعتَب. وهذه هي النُّفوسُ التي لم تُؤهَّل لما هنالك. وبحَسْب المُعْرِض هذا الحرمان، فإنه يكفيه، وذلك ذنبٌ عقابُه فيه.

فصل

ومنها: أنَّ الحكمة الإلهيَّة اقتضت تركيبَ الشَّهوة والغضب في الإنسان، وهاتان القُوَّتان فيه بمنزلة صفاته الذَّاتية، لا ينفكُّ عنها، وبهما وقعت المحنةُ والابتلاء، وعُرِّض لنيل الدَّرجات العُلى، واللَّحاق بالرفيق الأعلى، والهبوط إلى أسفل سافلين.

فهاتان القُوَّتان لا يَدَعان العبدَ حتى يُنيلانه منازل الأبرار، أو يضعانه تحت أقدام الأشرار، ولن يجعل الله مَن شهوتُه مصروفةٌ إلى ما أُعِدَّ له في دار النَّعيم، وغضبُه حميَّةٌ لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، كمن شهوتُه٢ مصروفةٌ في هواه وأمانيه العاجلة، وغضبُه مقصورٌ على حظِّه، ولو انتُهِكت محارمُ الله وحدودُه، وعُطِّلت شرائعُه وسننُه، بعد أن يكون هو ملحوظًا بعَيْن

  1. (١) (ح، ن): «مهدها الأول».
  2. (٢) (ق، ن): «كمن جعل شهوته».
840

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي