مفتاح دار السعادة

الوجود وأهله، فما أطيبَ عيشَه! وما أنعمَ بالَه! وما أقَرَّ عينَه!

وأين هذا ممَّن لا يزالُ عاتبًا على الخلق، شاكيًا ترك قيامهم بحقِّه، ساخطًا عليهم، وهم عليه أسخط؟!

فسبحان من بَهَرَت حكمتُه عقول العالمين.

فصل

ومنها: أنه يوجبُ له الإمساكَ عن عيوب النَّاس والفِكر فيها؛ فإنه في شُغلٍ بعيب نفسه١، فطُوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب النَّاس، وويلٌ لمن نَسِيَ عيبَه وتفرَّغ لعيوب النَّاس. هذا من علامة الشَّقاوة، كما أنَّ الأوَّل من أمارات السَّعادة.

فصل

ومنها: أنه إذا وقع في الذَّنب شَهِد نفسَه مثل إخوانه الخطَّائين، وشَهِد أنَّ المصيبة واحدة، والجميعَ مشتركون في الحاجة ــ بل في الضرورة ــ إلى مغفرة الله وعفوه ورحمته، فكما يحبُّ أن يستغفر له أخوه المسلم، كذلك هو أيضًا ينبغي أن يستغفر لأخيه المسلم، فيصير هِجِّيراه: «ربِّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات».

وقد كان بعضُ السَّلف يستحبُّ لكلِّ أحدٍ أن يداوم على هذا الدُّعاء كلَّ يومٍ سبعين مرَّة، فيجعل له منه وِرْدًا لا يُخِلُّ به. سمعتُ شيخنا يذكُره، وذكَر

  1. (١) (ق، د): «بعيبه ونفسه».
844

فيه فضلًا عظيمًا لا أحفظُه١، وربَّما كان من جملة أوراده التي لا يُخِلُّ بها٢. وسمعتُه يقول: إن جَعَله بين السَّجدتين جاز.

فإذا شَهِد العبدُ أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أُصِيبَ به، محتاجون إلى ما هو محتاجٌ إليه، لم يمتنع من مباعدتهم إلا لفَرْط بُخْلٍ٣ بمغفرة الله وفضله، وحقيقٌ بهذا أن لا يُساعَد فإنَّ الجزاء من جنس العمل.

وقد قال بعض السَّلف: «إنَّ الله لما عَتَبَ على الملائكة بسبب قولهم:

  1. (١) لعله ما ذكره في «الروح» (٣٩٠)، قال: «ولهذا جاء أثرٌ عن بعض السلف أنه من قال كل يوم سبعين مرة: رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، حصل له من الأجر بعدد كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة. ولا تستبعد هذا، فإنه إذا استغفر لإخوانه فقد أحسن إليهم، والله لا يضيع أجر المحسنين».
    وانظر منامًا لبعض السلف في «الحلية» (١٠/ ١١٣).
    وعند الطبراني في «مسند الشاميين» (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب له بكلِّ مؤمن ومؤمنة حسنة». وإسناده ضعيف، وجوَّده الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٥٢). ومن حديث أم سلمة في «المعجم الكبير» (٢٣/ ٣٧٠)، وإسناده ضعيف. وفي الباب حديثٌ ثالث ضعيف. انظر: «السلسلة الضعيفة» (٥٩٧٦).
    وانظر تقرير ما دلت عليه في «تحفة الذاكرين» للشوكاني (٣٨٠).
    وربما كان أصل التزام عدد السبعين ما أخرجه الترمذي (٣٢٥٩) وصححه من حديث أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال: فقال ﷺ: «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة».
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٢١، ٢٤/ ٣٢٢).
  3. (٣) (ن): «لفرط جهل».
845

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي