مفتاح دار السعادة

المحمودة١ والنِّهايات الفاضلة إلا على جِسْر المحنة والابتلاء؟!

كذا المعالي إذا ما رُمْتَ تُدْرِكُهافاعبُر إليها على جِسْرٍ من التَّعبِ٢

فصل٣

وإذا تأمَّلتَ الحكمة الباهرة في هذا الدِّين القيِّم٤، والملَّة الحنيفية، والشريعة المحمَّدية، التي لا تنالُ العبارةُ كمالَها، ولا يُدْرِكُ الوصفُ حُسْنَها، ولا تقترحُ عقولُ العقلاء ــ ولو اجتمعت وكانت على عقل أكمل٥ رجلٍ منهم ــ فوقها، وحسبُ العقول الكاملة الفاضلة أن أدركَت حُسْنَها، وشَهِدت بفضلها، وأنه ما طَرَق العالمَ شريعةٌ أكملُ ولا أجلُّ٦ ولا أعظمُ منها.

فهي نفسُها الشاهدُ والمشهودُ له، والحجَّةُ والمحتجُّ له، والدَّعوى والبرهان، ولو لم يأت المرسَلُ٧ ببرهانٍ عليها لكفى بها برهانًا وآيةً وشاهدًا على أنها من عند الله، وكلُّها شاهدةٌ له بكمال العلم، وكمال

  1. (١) (ح، ن): «المقامات المحمودة».
  2. (٢) مأخوذٌ من قول أبي تمام في بائيته الذَّائعة، «ديوانه» (١/ ٧٣):
    بَصُرْتَ بالراحةِ الكبرى فلم تَرَها ... تُنَالُ إلا على جِسْرٍ من التَّعبِ
  3. (٣) قبل الكلمة في (ح، ن): «والحمد لله وحده، وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا إلى يوم الدين، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين». وليست في (د، ت، ق).
  4. (٤) (ن، ح): «الدين القويم».
  5. (٥) (ق، ن، د، ت): «وكانت على محل كل».
  6. (٦) (ح): «ولا أجمل».
  7. (٧) (ت، ح، ق، د): «الرسل».
853

الحكمة، وسَعة الرحمة والبرِّ والإحسان، والإحاطة بالغيب والشَّهادة، والعلم بالمباداء والعواقب، وأنها مِنْ أعظم نِعَمه التي أنعَم بها على عباده.

فما أنعَم عليهم بنعمةٍ أجلَّ من أن هداهم لها؛ وجعلهم من أهلها، وممَّن ارتضاها لهم وارتضاهم لها، فلهذا امتنَّ على عباده بأن هداهم لها؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].

وقال معرِّفًا لعباده ومذكِّرًا لهم عظيمَ نعمته عليهم بها، مُسْتَدعيًا منهم شُكرَهم١ على أن جَعَلهم من أهلها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

وتأمَّل كيف وَصَف الدِّين الذي اختاره لهم بالكمال، والنِّعمةَ التي أسبَغها عليهم بالتَّمام، إيذانًا في الدِّين بأنه لا نقصَ فيه ولا عيبَ ولا خلل ولا شيءَ خارجًا عن الحكمة بوجهٍ، بل هو الكاملُ في حُسْنه وجلالته، ووَصَف النِّعمة بالتَّمام إيذانًا بدوامها واتصالها، وأنه لا يَسْلُبهم إياها بعد إذ أعطاهموها٢، بل يُتِمُّها لهم بالدَّوام في هذه الدَّار وفي دار القرار٣.

وتأمَّل حُسْنَ اقتران التَّمام بالنِّعمة، وحُسْنَ اقتران الكمال بالدِّين، وإضافةَ الدِّين إليهم إذ هم القائمون به المقيمون له، وإضافةَ النِّعمة إليه إذ هو

  1. (١) (ن): «شكرها».
  2. (٢) (ح): «أعطاهاهم إياه». وفي (ن): «أعطاها».
  3. (٣) (ق، ت، د): «دار البقاء».
854

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي