مفتاح دار السعادة

وليُّها ومُسْدِيها والمنعمُ بها عليهم١، فهي نعمتُه حقًّا وهم قابِلُوها.

وأتى في الإكمال باللام المُؤْذنة بالاختصاص وأنه شيءٌ خُصُّوا به دون الأمم، وفي إتمام النِّعمة بـ (على) المُؤْذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة؛ فجاء ﴿أَتمَمْتُ﴾ في مقابلة ﴿أَكْمَلْتُ﴾، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ في مقابلة ﴿لَكُمُ﴾، و﴿نِعْمَتِي﴾ في مقابلة ﴿دِينَكُمْ﴾، وأكَّد ذلك وزاده تقريرًا وكمالًا وإتمامًا للنِّعمة بقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

وكان بعض السَّلف يقول: «يا له مِنْ دينٍ، لو أنَّ له رجالًا»٢.

وقد ذكرنا فصلًا مختصرًا في دلالة خلقه على وحدانيَّته٣، وصفات كماله، ونُعوت جلاله، وأسمائه الحسنى، وأردنا أن نختمَ به القسمَ الأوَّل من الكتاب٤، ثمَّ رأينا أن نتبعه فصلًا في دلالة دينه وشرعه على وحدانيَّته وعلمه وحكمته ورحمته وسائر صفات كماله؛ إذ هذا من أشرف العلوم التي يكتسبُها العبدُ في هذه الدَّار، ويدخُل بها إلى الدَّار الآخرة.

وقد كان الأولى بنا الإمساكُ عن ذلك؛ لأنَّ ما يصفُه الواصفون منه وتنتهي إليه علومُهم هو كما يُدْخِلُ الرجلُ إصبعَه في اليمِّ ثمَّ ينزعها، فهو يصفُ البحرَ بما يَعْلَق على أصبعه من البلل، وأين ذلك من البحر؟! فيظنُّ

  1. (١) (ن): «عليهم دون الأمم».
  2. (٢) أخرجه الذهبي في «السير» (٧/ ٣٩٤) عن إبراهيم بن أدهم.
  3. (٣) يقصدُ ما تقدَّم من (ص: ٥٣٨) إلى هنا.
  4. (٤) وهو ما يتعلق بمباحث العلم. والقسم الثاني: ما يتعلق بمباحث الإرادة. وراجع ما كتبناه في المقدمة.
855

السَّامعُ أنَّ تلك الصِّفة أحاطت بالبحر، وإنما هي صفةُ ما عَلِق بالأصبع منه١، وإلا فالأمرُ أجلُّ وأعظمُ وأوسعُ من أن تحيط عقولُ البشر بأدنى جزءٍ منه.

وماذا عسى أن يصفَ به النَّاظرُ إلى قُرص الشمس مِنْ ضوئها وقَدْرها وحُسْنها وعجائب صُنْع الله فيها، ولكن قد رضي الله من عباده بالثَّناء عليه، وذِكْر آلائه، وأسمائه وصفاته، وحكمته وجلاله، مع أنه لا نحصي٢ ثناءً عليه أبدًا، بل هو كما أثنى على نفسه.

فلا يبلغ مخلوقٌ ثناءً عليه ﵎، ولا وَصْفَ كتابه ودينه بما ينبغي له، بل لا يبلغُ أحدٌ من الأمَّة ثناءً على رسوله كما هو أهلٌ أن يُثْنى عليه، بل هو فوق ما يُثْنون به عليه، ومع هذا فالله تعالى يحبُّ أن يُحْمَد ويُثْنى عليه وعلى كتابه ودينه ورسوله.

فهذه مقدِّمةُ اعتذارٍ بين يَدَي القصور من راكب هذا البحر الأعظم، والله عليمٌ بمقاصد العباد ونيَّاتهم، وهو أولى بالعُذر والتَّجاوز.

فصل

وبصائر النَّاس في هذا النُّور التامِّ٣ تنقسمُ إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: من عَدِم بصيرة الإيمان جملة، فهو لا يرى من هذا الضوء إلا الظُّلمات والرعد والبرق، فهو يجعلُ إصبعيه في أذنيه من الصَّواعق، ويدَه

  1. (١) (ح، ن): «علق على الأصبع منه».
  2. (٢) (ت): «يحصى».
  3. (٣) (ح، ن): «النور الباهر».
856

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي