مفتاح دار السعادة

وإذا عُرِف هذا فقد عُلِم أنَّ ربَّ العالمين أحكمُ الحاكمين، والعالمُ بكلِّ شيء، والغنيُّ عن كلِّ شيء، والقادرُ على كلِّ شيء، ومن هذا شأنه لم تخرج أفعالُه وأوامرُه قطُّ عن الحكمة والرحمة والمصلحة، وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صُنعه وإبداعه وأمره وشرعه فيكفيهم فيه معرفتُه١ بالوجه العامِّ أن تضمَّنته حكمةٌ بالغة، وإن لم يعرفوا تفصيلَها، وأنَّ ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، فيكفيهم في ذلك الإسنادُ٢ إلى الحكمة البالغة العامَّة الشاملة التي عَلِموا ما خَفِي منها مما ظهر لهم.

هذا، وإنَّ الله ﷾ بنى أمورَ عباده على أن عرَّفهم معاني جلائل خلقه وأمره دون دقائقهما وتفاصيلهما، وهذا مطَّردٌ في الأشياء أصولها وفروعها.

فأنت إذا رأيتَ الرجلين ــ مثلًا ــ أحدُهما أكثر شَعرًا من الآخر، أو أشدُّ بياضًا، أو أحدُّ ذهنًا، لأمكنك أن تعرف مِنْ جهة السَّبب الذي أجرى الله عليه سُنَّة الخليقة وجه اختصاص كلِّ واحدٍ منهما بما اختصَّ به. وهكذا في اختلاف الصُّور والأشكال.

ولكن لو أردتَ أن تعرف المعنى الذي كان شَعرُ هذا مثلًا يزيدُ على شَعر الآخر بعددٍ معيَّن، أو المعنى الذي فضَّله اللهُ به في القَدْر المخصوص والتَّشكيل المخصوص، ومعرفة القَدْر الذي بينهما من التَّفاوت وسببَه؛ لما أمكن ذلك أصلًا٣.

  1. (١) (ح): «معرفتهم».
  2. (٢) (ح، ن): «ليكفيهم في ذلك الاستناد».
  3. (٣) «محاسن الشريعة» (٢٠، ٢١).
862

وقِس على هذا جميعَ المخلوقات، من الرِّمال١ والجبال والأشجار ومقادير الكواكب وهيآتها.

وإذا كان لا سبيل إلى معرفة هذا في الخلق، بل يكفي فيه العلَّةُ العامَّةُ والحكمةُ الشاملة، فهكذا في الأمر يُعْلَمُ أنَّ جميعَ ما أمر به متضمِّنٌ لحكمةٍ بالغة، وأمَّا تفاصيلُ أسرار المأمورات والمنهيَّات فلا سبيل إلى علم البشر به، ولكن يُطْلِعُ الله من شاء من خلقه على ما شاء منه، فاعتصِم بهذا الأصل٢.

فصل٣

حاجةُ النَّاس إلى الشريعة ضروريةٌ فوق حاجتهم إلى كلِّ شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطبِّ إليها، ألا ترى أنَّ أكثر العالم يعيشون بغير طبيب، ولا يكونُ الطَّبيبُ إلا في بعض المدن الجامعة، وأمَّا أهلُ البَدْو كلُّهم، وأهلُ الكُفُور٤ كلُّهم، وعامَّةُ بني آدم؛ فلا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصحُّ أبدانًا٥ وأقوى طبيعةً ممَّن هو متقيِّدٌ بالطَّبيب٦، ولعلَّ أعمارهم متقاربة.

  1. (١) (ح، ن): «بين الرمال».
  2. (٢) انتهت هنا النسختان (ح، ن). وفي (ح): «تم، ويتلوه في الجزء الثاني: فصل حاجة الناس إلى الشريعة ...». وفي (ن): «والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، يتلوه إن شاء الله في الجزء الثاني: فصل حاجة الناس إلى الشريعة ...».
  3. (٣) علق أحد القراء في طرة (ق): «هذا ابتداء النصف الثاني من الكتاب». وليس كما قال. وقد بينا ذلك في المقدمة.
  4. (٤) القُرى الصغيرة. جمع «كَفْر». «المعجم الوسيط» (كفر).
  5. (٥) (ت): «أصلح أبدانا».
  6. (٦) (ت): «مقتد بالطبيب».
863

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي