مفتاح دار السعادة

وكيف يجوِّزُ ذو العقل أن تَرِد شريعةُ أحكم الحاكمين بضدِّ ما وردت به؟!

* فالصَّلاة قد وُضِعَت على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبَّد١ بها الخالقُ ﵎ عبادَه؛ مِنْ تضمُّنها٢ للتَّعظيم له بأنواع الجوارح، مِنْ نُطْق اللسان، وعمل اليدين والرِّجلين، والرأس وحواسِّه، وسائرُ أجزاء البدن يأخذُ بحظِّه٣ من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار، مع أخذ الحواسِّ الباطنة بحظِّها منها، وقيام القلب بواجب عبوديَّته فيها.

فهي مشتملةٌ على الثَّناء والحمد، والتَّمجيد والتَّسبيح والتكبير، وشهادة الحقِّ، والقيام بين يدي الربِّ مقام العبد الذَّليل الخاضع٤ المدبَّر المَرْبُوب.

ثمَّ التذلُّل له في هذا المقام، والتضرُّع والتقرُّب إليه بكلامه، ثمَّ انحناء الظَّهر ذلًّا له وخشوعًا واستكانة، ثمَّ استوائه قائمًا ليستعدَّ لخضوعٍ أكملَ له من الخضوع الأوَّل، وهو السُّجودُ مِنْ قيامٍ؛ فيضعُ أشرفَ شيءٍ فيه ــ وهو وجهُه ــ على التُّراب خشوعًا لربِّه، واستكانةً وخضوعًا لعظمته، وذلًّا لعزَّته، قد انكسر له قلبُه، وذلَّ له جسمُه، وخشعت له جوارحُه، ثمَّ يستوي قاعدًا يتضرَّعُ له، ويتذلَّلُ بين يديه، ويسأله من فضله، ثمَّ يعودُ إلى حاله من الذُّل والخشوع والاستكانة، فلا يزالُ هذا دأبه حتى يقضي صلاته، فيجلس عند

  1. (١) (ت): «يعبد».
  2. (٢) (ق): «ومن تضمنت». (ت): «ومن تضمنها». والأقرب ما أثبت.
  3. (٣) (ت): «حظه».
  4. (٤) (ت): «الخاضع الخاشع».
865

إرادة الانصراف١ منها مثنيًا على ربِّه، مسلِّمًا على نبيِّه وعلى عباده، ثمَّ يصلي على رسوله، ثمَّ يسأل ربَّه من خيره وبرِّه وفضله٢.

فأيُّ شيءٍ بعد هذه العبادة من الحُسْن؟! وأيُّ كمالٍ وراء هذا الكمال؟! وأيُّ عبوديةٍ أشرفُ من هذه العبودية؟!

فمن جوَّز عقلُه أن تَرِد الشريعةُ بضدِّها من كلِّ وجهٍ في القول والعمل، وأنه لا فرق في نفس الأمر٣ بين هذه العبادة وبين ضدِّها من السُّخرية، والسَّبِّ، والبَطَر٤، وكشف العورة، والبول على السَّاقين، والضحك، والصَّفير، وأنواع المُجون وأمثال ذلك= فليُعَزِّ عقلَه٥، وليسأل الله أن يهبه عقلًا سواه!

* وأمَّا حُسْنُ الزَّكاة وما تضمَّنته من مواساة ذوي الحاجات والمَسْكنة والخَلَّة من عباد الله الذين يعجزون عن إقامة نفوسهم، ويُخافُ عليهم التَّلفُ إذا خلَّاهم الأغنياءُ وأنفسَهم٦، وما فيها من الرحمة والإحسان والبرِّ والطُّهْرة، وإيثار أهل الإيثار، والاتصاف بصفة الكرم والجُود والفضل، والخروج من سِمَات أهل الشُّحِّ والبخل والدَّناءة= فأمرٌ لا يستريبُ عاقلٌ في

  1. (١) (ق): «عند الانصراف».
  2. (٢) انظر: «محاسن الشريعة» (٢١، ٨١ - ٨٥).
  3. (٣) «في نفس الأمر» ليست في (ت).
  4. (٤) وهو الطغيان عند النعمة. ويطلق على شدة المرح. وبطرَ الحقَّ: تكبَّر عنه ولم يقبله. «اللسان» (بطر).
  5. (٥) (ت): «فليعر عقله».
  6. (٦) «محاسن الشريعة» (٢١).
866

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي