مفتاح دار السعادة

إرادة الانصراف١ منها مثنيًا على ربِّه، مسلِّمًا على نبيِّه وعلى عباده، ثمَّ يصلي على رسوله، ثمَّ يسأل ربَّه من خيره وبرِّه وفضله٢.

فأيُّ شيءٍ بعد هذه العبادة من الحُسْن؟! وأيُّ كمالٍ وراء هذا الكمال؟! وأيُّ عبوديةٍ أشرفُ من هذه العبودية؟!

فمن جوَّز عقلُه أن تَرِد الشريعةُ بضدِّها من كلِّ وجهٍ في القول والعمل، وأنه لا فرق في نفس الأمر٣ بين هذه العبادة وبين ضدِّها من السُّخرية، والسَّبِّ، والبَطَر٤، وكشف العورة، والبول على السَّاقين، والضحك، والصَّفير، وأنواع المُجون وأمثال ذلك= فليُعَزِّ عقلَه٥، وليسأل الله أن يهبه عقلًا سواه!

* وأمَّا حُسْنُ الزَّكاة وما تضمَّنته من مواساة ذوي الحاجات والمَسْكنة والخَلَّة من عباد الله الذين يعجزون عن إقامة نفوسهم، ويُخافُ عليهم التَّلفُ إذا خلَّاهم الأغنياءُ وأنفسَهم٦، وما فيها من الرحمة والإحسان والبرِّ والطُّهْرة، وإيثار أهل الإيثار، والاتصاف بصفة الكرم والجُود والفضل، والخروج من سِمَات أهل الشُّحِّ والبخل والدَّناءة= فأمرٌ لا يستريبُ عاقلٌ في

  1. (١) (ق): «عند الانصراف».
  2. (٢) انظر: «محاسن الشريعة» (٢١، ٨١ - ٨٥).
  3. (٣) «في نفس الأمر» ليست في (ت).
  4. (٤) وهو الطغيان عند النعمة. ويطلق على شدة المرح. وبطرَ الحقَّ: تكبَّر عنه ولم يقبله. «اللسان» (بطر).
  5. (٥) (ت): «فليعر عقله».
  6. (٦) «محاسن الشريعة» (٢١).
866

حُسْنه ومصلحته، وأنَّ الآمرَ به أحكمُ الحاكمين.

وليس يجوزُ في العقل ولا في الفطرة البتَّة أن تَرِد شريعةٌ من الحكيم العليم١ بضدِّ ذلك أبدًا.

* وأمَّا الصَّوم، فناهيك به مِنْ عبادةٍ تَكُفُّ النَّفس عن شهواتها، وتخرجُها عن شَبَه البهائم إلى شَبَه الملائكة المقرَّبين، فإنَّ النَّفس إذا خُلِّيَت ودواعي شهواتها التحقَت بعالم البهائم، فإذا كفَّت شهواتها لله ضيَّقَت مجاري الشيطان، وصارت قريبةً من الله بترك عاداتها٢ وشهواتها؛ محبةً له، وإيثارًا لمرضاته، وتقرُّبًا إليه، فيدعُ الصَّائمُ أحبَّ الأشياء إليه وأعظمها لصوقًا بنفسه من الطَّعام والشراب والجِماع من أجل ربِّه، فهو عبادةٌ لا تُتصَوَّرُ٣ حقيقتُها إلا بترك الشَّهوة لله، فالصَّائمُ يدعُ طعامَه وشرابه وشهواته من أجل ربِّه.

وهذا معنى كون الصَّوم له ﵎، وبهذا فسَّر النبيُّ ﷺ هذه الإضافة في الحديث، فقال: «يقولُ الله تعالى: كلُّ عمل ابن آدم يضاعف الحسنةُ بعشرة أمثالها، قال الله: إلا الصَّوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدعُ طعامَه وشرابه من أجلي»٤، حتى إنَّ الصَّائم ليتصوَّرُ بصورة من لا حاجة له في الدُّنيا إلا في تحصيل رضا الله٥.

  1. (١) (ت): «الحكيم العظيم».
  2. (٢) (ق): «تترك عادتها». والحرف الأول مهمل في (د).
  3. (٣) (ق، د): «ولا تتصور حقيقتها».
  4. (٤) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة.
  5. (٥) «محاسن الشريعة» (٢٢).
867

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي