وليس يجوزُ في العقل ولا في الفطرة البتَّة أن تَرِد شريعةٌ من الحكيم العليم١ بضدِّ ذلك أبدًا.
* وأمَّا الصَّوم، فناهيك به مِنْ عبادةٍ تَكُفُّ النَّفس عن شهواتها، وتخرجُها عن شَبَه البهائم إلى شَبَه الملائكة المقرَّبين، فإنَّ النَّفس إذا خُلِّيَت ودواعي شهواتها التحقَت بعالم البهائم، فإذا كفَّت شهواتها لله ضيَّقَت مجاري الشيطان، وصارت قريبةً من الله بترك عاداتها٢ وشهواتها؛ محبةً له، وإيثارًا لمرضاته، وتقرُّبًا إليه، فيدعُ الصَّائمُ أحبَّ الأشياء إليه وأعظمها لصوقًا بنفسه من الطَّعام والشراب والجِماع من أجل ربِّه، فهو عبادةٌ لا تُتصَوَّرُ٣ حقيقتُها إلا بترك الشَّهوة لله، فالصَّائمُ يدعُ طعامَه وشرابه وشهواته من أجل ربِّه.
وهذا معنى كون الصَّوم له ﵎، وبهذا فسَّر النبيُّ ﷺ هذه الإضافة في الحديث، فقال: «يقولُ الله تعالى: كلُّ عمل ابن آدم يضاعف الحسنةُ بعشرة أمثالها، قال الله: إلا الصَّوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدعُ طعامَه وشرابه من أجلي»٤، حتى إنَّ الصَّائم ليتصوَّرُ بصورة من لا حاجة له في الدُّنيا إلا في تحصيل رضا الله٥.
(١) (ت): «الحكيم العظيم».
(٢) (ق): «تترك عادتها». والحرف الأول مهمل في (د).
(٣) (ق، د): «ولا تتصور حقيقتها».
(٤) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة.
(٥) «محاسن الشريعة» (٢٢).
وأيُّ حُسْنٍ يزيدُ على حُسْن هذه العبادة التي تَكْسِرُ الشهوة، وتَقْمَعُ النَّفس، وتحيي القلبَ وتفرحُه، وتزهِّدُ في الدُّنيا وشهواتها، وترغِّبُ فيما عند الله، وتذكِّرُ الأغنياءَ بشأن المساكين وأحوالهم، وأنهم قد أخذوا بنصيبٍ١ من عَيْشِهم، فتعطِّف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نِعَم الله فيزدادوا له شكرًا؟!
وبالجملة، فعونُ الصَّوم على تقوى الله أمرٌ مشهور، فما استعان أحدٌ على تقوى الله وحِفظ حدوده واجتناب محارمه بمثل الصَّوم، فهو شاهدٌ لمن شرعه وأمر به بأنه أحكمُ الحاكمين وأرحمُ الراحمين، وأنه إنما شرعه إحسانًا إلى عباده، ورحمةً بهم٢، ولطفًا بهم، لا بخلًا عليهم برزقه، ولا مجرَّد تكليفٍ وتعذيبٍ خالٍ من الحكمة والمصلحة، بل هو غايةُ الحكمة والرحمة والمصلحة، وأنَّ شَرْع هذه العبادات لهم من تمام نعمته عليهم، ورحمته بهم.
* وأمَّا الحجُّ، فشأنٌ آخرُ لا يُدْرِكه إلا الحنفاءُ الذين ضربوا في المحبة بسَهْم، وشأنه أجلُّ من أن تحيط به العبارة، وهو خاصَّةُ هذا الدِّين الحنيف، حتى قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾[الحج: ٣١]: «أي: حُجَّاجًا»٣.
وجَعَل الله بيتَه الحرام قِيامًا للنَّاس، فهو عمودُ العالَم الذي عليه بناؤه، فلو ترك النَّاسُ كلُّهم الحجَّ سنةً لخرَّت السَّماءُ على الأرض، هكذا قال
(١) (ت): «نصيب».
(٢) (ت): «ورحمة لهم».
(٣) ورد هذا عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما. انظر: «تفسير الطبري» (٣/ ١٠٦، ٢٤/ ٥٤١).