مفتاح دار السعادة

عليهم في إنكارهم الحُسْنَ والقُبْحَ العقليَّين جملةً، وجَعْلِهم انتفاءَ العذاب قبل البعثة دليلًا على انتفاء القُبْح واستواء الأفعال في أنفسها، وأحسنوا في ردِّ هذا عليهم.

فكلُّ طائفةٍ استطالت على الأخرى بسبب إنكارها الصَّواب.

وأمَّا من سَلَك هذا المسلكَ الذي سلكناه، فلا سبيل لواحدةٍ من الطَّائفتين إلى ردِّ قوله، ولا الظَّفر عليه أصلًا؛ فإنه موافقٌ لكلِّ طائفةٍ على ما معها من الحقِّ، مقرِّرٌ له، مخالفٌ لها في باطلها، منكرٌ له.

وليس مع النُّفاة قطُّ دليلٌ واحدٌ صحيحٌ على نفي الحُسْن والقُبح العقليَّين، وأنَّ الأفعال المتضادَّة كلَّها في نفس الأمر سواءٌ لا فرق بينها إلا بالأمر والنهي، وكلُّ أدلَّتهم على هذا باطلةٌ كما سنذكرها ونذكرُ بطلانها إن شاء الله تعالى.

وليس مع المعتزلة دليلٌ واحدٌ صحيحٌ قطُّ يدلُّ على إثبات العذاب على مجرَّد القُبح العقليِّ قبل بعثة الرُّسل، وأدلَّتُهم على ذلك كلُّها باطلةٌ كما سنذكرُها ونذكرُ بطلانها إن شاء الله تعالى.

* ومما يدلُّ على ذلك أيضًا: أنه سبحانه يحتجُّ على فساد مذهب من عبد غيرَه بالأدلَّة العقلية التي تقبلُها الفطرُ والعقول، ويجعلُ ما ركَّبه في العقول من حُسْن عبادة الخالق وحده وقُبْح عبادة غيره مِنْ أعظم الأدلَّة على ذلك، وهذا في القرآن أكثر من أن يُذْكَرَ ههنا، ولولا أنه مستقرٌّ في العقول والفطر حُسْنُ عبادته وشكره، وقُبح عبادة غيره وتركُ شكره= لما احتَجَّ عليهم بذلك أصلًا، وإنما كانت الحجَّةُ في مجرَّد الأمر.

878

وطريقةُ القرآن صريحةٌ في هذا، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]، فذكر سبحانه أمرَهم بعبادته، وذكر اسمَ الربِّ مضافًا إليهم لمقتضى عبوديَّتهم لربهم ومالكهم، ثمَّ ذكر ضروبَ إنعامه عليهم: بإيجادهم وإيجاد من قبلهم، وجَعْل الأرض فراشًا لهم يمكنُهم الاستقرارُ عليها والبناءُ والسُّكنى، وجَعْل السَّماء بناءً وسقفًا؛ فذكر أرض العالم وسقفَه، ثمَّ ذكر إنزال مادَّة أقواتهم ولباسهم وثمارهم، منبِّهًا بهذا على استقرار حُسْن عبادة من هذا شأنُه وتشكره الفطرُ والعقول١، وقُبح الإشراك به وعبادة غيره.

* ومن هذا قولُه تعالى حاكيًا عن صاحب ياسينَ أنه قال لقومه محتجًّا عليهم بما تُقِرُّ به فطرُهم وعقولهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، فتأمَّل هذا الخطابَ كيف تجدُ تحته أشرفَ معنًى وأجلَّه، وهو أنَّ كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأنَّ من كان٢ مفطورًا مخلوقًا فحقيقٌ به أن يعبُد فاطرَه وخالقه، ولا سيَّما إذا كان مردُّه إليه؛ فمبدؤه منه ومصيرُه إليه، وهذا يوجبُ عليه التفرُّغ لعبادته.

ثمَّ احتجَّ عليهم بما تُقِرُّ به عقولهم وفطرُهم من قُبح عبادة غيره، وأنها أقبحُ شيءٍ في العقل وأنكَرُه، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ

  1. (١) أي: ومن تشكره الفطر والعقول.
  2. (٢) (ت، ق، د): «وان كان». والمثبت من (ط)، وهو أشبه.
879

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي