فدلَّ على أنه من المستقرِّ في العقول والفِطر انقسامُ الأفعال إلى قبيحٍ وحَسَنٍ في نفسه، وأنَّ الرُّسل تدعو إلى حَسَنها وتنهى عن قبيحها، وأنَّ ذلك من آيات صِدقهم وبراهين رسالتهم، وهو أولى وأعظمُ عند أولي الألباب والحِجى من مجرَّد خوارق العادات، وإن كان انتفاعُ ضعفاء العقول بالخوارق في الإيمان أعظمَ من انتفاعهم بنفس الدَّعوة وما جاء به في الإيمان١.
فطرقُ الهداية متنوِّعة؛ رحمةً من الله بعباده ولطفًا بهم؛ لتفاوُت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم:
* فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به وما دعا إليه مِنْ غير أن يطلُبَ منه برهانًا خارجًا٢ عن ذلك، كحال الكُمَّل٣ من الصَّحابة، كالصِّدِّيق ﵁.
* ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله ﷺ، وما فُطِر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأنَّ عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصافُ والأفعال؛ لعلمه بالله ومعرفته به وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة.
كما قالت أمُّ المؤمنين خديجة ﵂ له ﷺ: «أبشِر، فوالله لن يخزيكَ الله أبدًا؛ إنك لتَصِلُ الرحِم، وتصدُق الحديث، وتَحْمِلُ الكَلَّ،
(١) (ط): «من الإيمان». وانظر لهذا المعنى: «أيمان القرآن» (٣٤٣).
(٢) (ت): «خارقا».
(٣) (ت): «كحال الكامل».
وتَقْري الضيف، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ»١.
فاستدلَّت بمعرفتها بالله وحكمته ورحمته على أنَّ من كان كذلك فإنَّ الله لا يخزيه ولا يفضحه، بل هو جديرٌ بكرامة الله واصطفائه ومحبته ونبوَّته.
وهذه المقاماتُ في الإيمان عَجَز عنها أكثر الخلق.
* فاحتاجوا إلى الخوارق والآيات المشهودة بالحِسِّ، فآمن كثيرٌ منهم عليها.
* وأضعفُ النَّاس إيمانًا من كان إيمانُه صادرًا من المَظْهَر٢ ورؤية غَلَبته ﷺ للنَّاس، فاستدلُّوا بذلك المَظْهَر والغَلَبة والنُّصرة على صحَّة الرسالة، فأين بصائرُ هؤلاء مِن بصائر من آمن به وأهلُ الأرض قد نَصَبوا له العداوة، وقد نال منه قومُه ضروبَ الأذى، وأصحابُه في غاية قلَّة العَدَد والمخافة من النَّاس، ومع هذا فقلبُه ممتلاءٌ بالإيمان، واثقٌ بأنه سيظهرُ على الأمم٣، وأنَّ دينَه سيعلو كلَّ دين؟!
* وأضعفُ مِنْ هؤلاء إيمانًا مَن إيمانُه إيمانُ العادة والمَرْبا والمنشأ؛ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين وأقاربَ وجيرانٍ وأصحابٍ كذلك، فنشأ واحدًا منهم، ليس عنده من الرسول والكتاب إلا اسمُهما، ولا مِن الدِّين إلا ما رأى عليه أقاربَه وأصحابه. فهذا دينُ العوائد، وهو أضعفُ شيء، وصاحبُه بحسب من