مفتاح دار السعادة

يقترنُ به١، فلو قُيِّض له من يخرجه عنه لم يكن عليه كُلْفةٌ في الانتقال عنه.

والمقصودُ أنَّ خواصَّ الأمَّة ولُبابها لمَّا شَهِدَت عقولهم حُسْنَ هذا الدَّين وجلالتَه وكماله، وشَهِدَت قُبْحَ ما خالفه ونقصَه ورداءته، خالط الإيمانُ به ومحبتُه بشاشةَ قلوبهم، فلو خُيِّر بين أن يُلْقى في النَّار وبين أن يختار دينًا غيره لاختار أن يُقْذَف في النَّار، ويقطَّع أعضاءً، ولا يختار دينًا غيره.

وهذا الضربُ من النَّاس هم الذين استقرَّت أقدامُهم في الإيمان، وهم أبعدُ النَّاس عن الارتداد عنه، وأحقُّهم بالثَّبات عليه إلى يوم لقاء الله، ولهذا قال هرقلُ لأبي سفيان: أيرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه سَخْطةً له؟ قال: لا. قال: فكذلك الإيمانُ إذا خالط بشاشةَ القلوب لا يَسْخَطُه أحد٢.

والمقصودُ أنَّ الدَّاخلين في الإسلام، المستدلِّين على أنه من عند الله لحُسْنه وكماله، وأنه دينُ الله الذي لا يجوز أن يكون من عند غيره، هم خواصُّ الخلق، والنُّفاة سَدُّوا على أنفسهم هذا الطَّريق فلا يمكنُهم سلوكُه.

فصل

وتحقيقُ هذا المقام بالكلام في مقامين:

أحدهما: الأعمال خصوصًا ومراتبها٣ في الحُسْن والقُبح.

الثَّاني: في الموجودات عمومًا ومراتبها في الخير والشرِّ.

  1. (١) (ت): «يقترب منه».
  2. (٢) تقدم تخريجه قريبًا.
  3. (٣) في الأصول: «مراتبها». والمثبت من (ط).
891

أما المقام الأول، فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحةٍ خالصةٍ، أو راجحة، وإما أن تشتمل على مفسدةٍ خالصةٍ، أو راجحة، وإما أن تستوي مصلحتُها ومفسدتها.

فهذه أقسامٌ خمسة، منها أربعةٌ تأتي بها الشرائع، فتأتي بما مصلحتُه خالصةٌ أو راجحةٌ آمرةً به مقتضيةً له، وما مفسدتُه خالصةٌ أو راجحةٌ فحكمُها فيه النهيُ عنه وطلبُ إعدامه. فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة وتكميلهما بحسب الإمكان، وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان. فمدارُ الشرائع والدِّيانات على هذه الأقسام الأربعة.

وتنازع النَّاسُ هنا في مسألتين:

المسألة الأولى: في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة.

* فمنهم من مَنَعَه، وقال: لا وجود له؛ قال: لأنَّ المصلحة هي النَّعيمُ واللذَّةُ وما يفضي إليه، والمفسدةُ هي العذابُ والألم وما يفضي إليه.

قالوا: والمأمورُ به لا بدَّ أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصَّبر على نوعٍ من الألم، وإن كان فيه لذَّةٌ وسرورٌ وفرحٌ فلا بدَّ من وقوع أذى، لكن لما كان هذا مغمورًا بالمصلحة لم يُلتفَت إليه ولم تعطَّل المصلحةُ لأجله، فتركُ الخير الكثير الغالب لأجل الشرِّ القليل المغلوب شرٌّ كثير.

قالوا: وكذلك الشرُّ المنهيُّ عنه إنما يفعلُه الإنسانُ لأنَّ له فيه غرضًا ووطرًا ما، وهذه مصلحةٌ عاجلةٌ له، فإذا نُهِي عنه وتركَه فاتت عليه مصلحتُه ولذَّتُه العاجلة وإن كانت مفسدتُه أعظمَ من مصلحته، بل مصلحتُه مغمورةٌ جدًّا في جنب مفسدته، كما قال تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].

892

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي