مفتاح دار السعادة

فالرِّبا١ والظُّلمُ والفواحشُ والسِّحرُ وشربُ الخمر وإن كانت شرورًا ومفاسدَ ففيها منفعةٌ ولذَّةٌ لفاعلها، ولذلك يؤثِرها ويختارُها، وإلا فلو تجرَّدت مفسدتُها من كلِّ وجهٍ لما آثرها العاقل، ولا فعَلها أصلًا.

ولما كانت خاصَّةُ العقل النَّظر إلى العواقب والغايات، كان أعقلُ النَّاس أتركَهم لما ترجَّحت مفسدتُه في العاقبة، وإن كانت فيه لذَّةٌ ما ومنفعةٌ يسيرةٌ بالنسبة إلى مضرَّته.

* ونازعهم آخرون، وقالوا: القسمةُ تقتضي إمكانَ هذين القسمين، والوجودُ يدلُّ على وقوعهما، فإنَّ معرفة الله ومحبتَه والإيمان به خيرٌ محضٌ من كلِّ وجهٍ لا مفسدة فيه بوجهٍ ما.

قالوا: ومعلومٌ أنَّ الجنَّة خيرٌ محضٌ لا شرَّ فيها أصلًا، وأنَّ النَّار شرٌّ محضٌ لا خير فيها أصلًا، وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة فما المُحِيلُ٢ لوجودهما في الدُّنيا؟!

قالوا: وأيضًا فالمخلوقاتُ كلُّها منها ما هو خيرٌ محضٌ لا شرَّ فيه أصلًا كالأنبياء والملائكة، ومنها ما هو شرٌّ محضٌ لا خير فيه أصلًا كإبليسَ والشياطين، ومنها ما هو خيرٌ وشرٌّ وأحدُهما غالبٌ على الآخر، فمن النَّاس من يَغْلِبُ خيرُه على شرِّه، ومنهم من يَغْلِبُ شرُّه على خيره؛ فهكذا الأعمالُ منها ما هو خالصُ المصلحة وراجحُها، وخالصُ المفسدة وراجحُها، هذا في الأعمال كما أنَّ ذلك في العُمَّال.

  1. (١) (ت): «فالزنا».
  2. (٢) (ق): «المحل». تحريف.
893

قالوا: وقد قال الله تعالى في السَّحرة: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا دليلٌ على أنه مضرَّةٌ خالصةٌ لا منفعة فيه:

إمَّا لأنَّ بعض أنواعه مضرَّةٌ خالصةٌ لا منفعة فيها بوجه، فما كلُّ السِّحر يحصِّلُ غرضَ السَّاحر، بل يتعلَّمُ مئة بابٍ منه حتى يحصِّل غرضَه بباب، والباقي مضرَّةٌ خالصة. وقِس على هذا١. فهذا من القسم الخالص المفسدة.

وإمَّا لأنَّ المنفعة الحاصلة للسَّاحر لما كانت مغمورةً مُسْتَهلَكةً في جنب المفسدة العظيمة فيه جُعِلت كَلا منفعة؛ فيكونُ من القسم الراجح المفسدة.

وعلى القولين٢ فكلُّ مأمورٍ به فهو راجحُ المصلحة على تركه، وإن كان مكروهًا للنُّفوس؛ قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فبيَّن أنَّ الجهاد الذي أُمِروا به وإن كان مكروهًا للنُّفوس شاقًّا عليها فمصلحتُه راجحة، وهو خيرٌ لهم، وأحمَدُ عاقبة، وأعظمُ فائدةً من التقاعُد عنه وإيثار البقاء والراحة، فالشرُّ الذي فيه مغمورٌ بالنسبة إلى ما تضمَّنه من الخير.

وهكذا كلُّ منهيٍّ عنه فهو راجحُ المفسدة وإن كان محبوبًا للنُّفوس موافقًا للهوى، فمضرَّتُه ومفسدتُه أعظمُ مما فيه من المنفعة، وتلك المنفعةُ

  1. (١) (ت): «وعلى هذا».
  2. (٢) في وجود المصلحة والمفسدة الخالصتين، وعدمه.
894

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي