واللذَّةُ مغمورةٌ مُسْتَهلَكةٌ في جنب مضرَّته، كما قال تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
* وفصلُ الخطاب في المسألة: إن أُرِيد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصةٌ من المفسدة لا يشُوبها مفسدة؛ فلا ريب في وجودها، وإن أُرِيد بها المصلحةُ التي لا يشُوبها مشقَّةٌ ولا أذًى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها؛ فليست بموجودةٍ بهذا الاعتبار، إذ المصالحُ والخيراتُ واللذَّاتُ والكمالاتُ كلُّها لا تُنالُ إلا بحظٍّ من المشقَّة، ولا يُعْبَرُ إليها إلا على جسرٍ من التَّعب.
وقد أجمع عقلاءُ كلِّ أمَّةٍ على أنَّ النَّعيمَ لا يُدْرَكُ بالنَّعيم١، وأنَّ من آثَر الراحةَ فاتتهُ الراحة، وأنَّ بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاقِّ تكونُ الفرحةُ والملذَّة؛ فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لذَّة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبدُ قليلًا استراح طويلًا، وإذا تحمَّل مشقَّة الصَّبر ساعةً قاده لحياة الأبد، وكلُّ ما فيه أهلُ النَّعيم المقيم فهو ثمرةُ صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوَّة إلا بالله.
وكلَّما كانت النفوسُ أشرف، والهمَّةُ أعلى، كان تعبُ البدن أوفر، وحظُّه من الراحة أقلَّ، كما قال المتنبِّي٢:
وإذا كانت النفوسُ كبارًاتعبَت في مرادها الأجسامُ
(١) انظر ما تقدم (ص: ٣٩٩).
(٢) في ديوانه (٢٤٩).
وقال ابنُ الرُّومي١:
قلبٌ يُطِلُّ على أفكاره٢، ويَدٌتمضي الأمورَ، ونفسٌ لهوُها التَّعبُ
وقال مسلمٌ في «صحيحه»٣: «قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنَالُ العلمُ براحة الجسم».
ولا ريب عند كلِّ عاقلٍ أنَّ كمال الراحة بحسب التَّعب، وكمال النَّعيم بحسب تحمُّل المشاقِّ في طريقه، وإنما تخلُص الراحةُ واللذَّةُ والنَّعيمُ في دار السَّلام، فأمَّا في هذه الدَّار فكلَّا ولَمَّا.
وبهذا التفصيل يزولُ النزاعُ في المسألة، وتعودُ مسألةَ وِفَاق.
فصل
وأمَّا المسألةُ الثَّانية، وهي ما تساوت مصلحتُه ومفسدتُه؛ فقد اختُلِفَ في وجوده وحكمه؛ فأثبتَ وجودَه قومٌ، ونفاهُ آخرون.
والجواب: هذا القسمُ لا وجود له وإن حَصَرَه التقسيم، بل التفصيل: إمَّا أن يكون حصولُه أولى بالفاعل، وهو راجحُ المصلحة. وإمَّا أن يكون عدمُه أولى به، وهو راجحُ المفسدة.
وأمَّا فعلٌ يكون حصولُه أولى به لمصلحته، وعدمُه أولى به لمفسدته،
(١) كذا في الأصول، وزاد ناسخ (ت): «رحمه الله تعالى»!. وهو وهم. والبيت للبحتري، في ديوانه (١/ ١٧٢). وهو من محاسنه.
(٢) فهي لا تحيطُ به، وإنما هو عالٍ عليها. يصفُ قلة مبالاته بالخطوب التي تُحْدِثُ أفكارًا تستغرق القلوب. انظر: «المثل السائر» (١/ ٧٩).