مفتاح دار السعادة

وكلاهما متساويان؛ فهذا مما لم يقُم دليلٌ على ثبوته، بل الدَّليلُ يقتضي نفيَه، فإنَّ المصلحة والمفسدة، والمنفعة والمضرَّة، واللذَّة والألم، إذا تقابلا فلا بدَّ أن يغلبَ أحدُهما الآخر فيصير الحكمُ للغالب، وأمَّا أن يتدافعا ويتصادما بحيث لا يغلبُ أحدُهما الآخرَ فغيرُ واقعٍ أصلًا.

فإنه إمَّا أن يقال: يوجدُ الأثران١ معًا، وهو محال؛ لتصادمهما٢ في المحلِّ الواحد. وإمَّا أن يقال: يمتنعُ وجودُ كلٍّ من الأثرين٣، وهو ممتنعٌ أيضًا؛ لوجود مقتضيه. وإمَّا أن يقال بوِجدان أحدهما دون الآخر ــ مع تساويهما ــ، وهو ممتنع؛ لأنه ترجيحٌ لأحد الجائزَين٤ من غير مرجِّح.

وهذا المحالُ إنما نشأ من فَرْض تدافُع المؤثِّرَين وتصادمهما، فهو محال، فلا بدَّ أن يقهر أحدُهما صاحبَه فيكون الحكمُ له.

فإن قيل: ما المانعُ من أن يمتنع وجودُ الأثرين؟ قولكم: «إنه محالٌ لوجود مقتضيه» إن أردتم به المقتضي السَّالم عن المعارض فغيرُ موجود، وإن أردتم المقتضي المقارِن لوجود المعارض فتخلُّف أثره عنه غيرُ ممتنع والمعارض قائمٌ هاهنا في كلٍّ منهما، فلا يمتنعُ تخلُّفُ الأثرين.

فالجواب: أنَّ المعارض إذا كان قد سَلَبَ تأثيرَ المقتضي في مُوجَبه مع قوَّته وشدَّة اقتضائه لأثره، ومع هذا فقد قَوِي على سَلْبه قوَّة التأثير والاقتضاء، فلأنْ يقوى على سَلْبه قوَّة مَنْعِه لتأثيره هو في مقتضاه ومُوجَبه

  1. (١) (د، ق): «الأمران». وسيأتي على الصواب.
  2. (٢) (ق): «وهو مجاز، لتضادهما». خطأ.
  3. (٣) (ت، ق، د): «الأمرين». وسيأتي على الصواب.
  4. (٤) (ت): «الجانبين».
897

بطريق الأولى، ووجهُ الأولويَّة أنَّ اقتضاءه لأثره أشدُّ من منعه تأثيرَ غيره، فإذا قَوِي على سَلْبه للأقوى فسلبُه للأضعف١ أولى وأحرى.

فإن قيل: هذا ينتقضُ بكلِّ مانعٍ يمنعُ تأثير العلَّة في معلولها، وهو باطلٌ قطعًا.

قيل: لا ينتقضُ بما ذكرتم، والنقضُ مندفع؛ فإنَّ العلَّة والمانع ههنا لم يتدافعا ويتصادما، ولكنَّ المانع أضعفَ العلَّة، فبطل تأثيرُها، فهو عائقٌ لها عن الاقتضاء. وأمَّا في مسألتنا فالعلَّتان متصادمتان متعارضتان، كلٌّ منهما تقتضي أثرَها، فلو بطل أثرُهما لكانت كلُّ واحدةٍ مؤثِّرةً غير مؤثِّرة، غالبةً مغلوبة، مانعةً ممنوعة، وهذا يمتنع، وهو دليلٌ٢ يشبه دليل التمانع٣.

وسرُّ الفرق أنَّ العلَّة الواحدة إذا قارنها مانعٌ منع تأثيرَها لم تَبْقَ مقتضيةً له، بل المانعُ عاقَها عن اقتضائها، وهذا غيرُ ممتنع، وأمَّا العلَّتان المتمانعتان اللتان كلٌّ منهما مانعةٌ للأخرى من تأثيرها فإنَّ تمانعهما وتقابلهما يقتضي إبطال كلِّ واحدةٍ منهما للأخرى، وتأثيرَها فيها، وعدمَ تأثيرها معًا، وهو جمعٌ بين النقيضين؛ لأنها إذا بطلت لم تكن مؤثِّرة، وإذا لم تكن مؤثِّرةً لم تُبطِل غيرَها، فتكونُ كلٌّ منهما مؤثِّرةً غيرَ مؤثِّرة، باطلةً غيرَ باطلة، وهذا محال؛ فثبتَ أنهما لا بدَّ أن تؤثِّر إحداهما في الأخرى بقوَّتها فيكون الحكمُ لها.

فإن قيل: فما تقولون فيمن توسَّط أرضًا مغصوبةً، ثمَّ بدا له في التَّوبة،

  1. (١) (ت): «سلبه الأقوى فسلبه الأضعف».
  2. (٢) (ت): «وهذا دليل».
  3. (٣) تقدمت الإشارة إليه (ص: ٥٨٨).
898

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي