بطريق الأولى، ووجهُ الأولويَّة أنَّ اقتضاءه لأثره أشدُّ من منعه تأثيرَ غيره، فإذا قَوِي على سَلْبه للأقوى فسلبُه للأضعف١ أولى وأحرى.
فإن قيل: هذا ينتقضُ بكلِّ مانعٍ يمنعُ تأثير العلَّة في معلولها، وهو باطلٌ قطعًا.
قيل: لا ينتقضُ بما ذكرتم، والنقضُ مندفع؛ فإنَّ العلَّة والمانع ههنا لم يتدافعا ويتصادما، ولكنَّ المانع أضعفَ العلَّة، فبطل تأثيرُها، فهو عائقٌ لها عن الاقتضاء. وأمَّا في مسألتنا فالعلَّتان متصادمتان متعارضتان، كلٌّ منهما تقتضي أثرَها، فلو بطل أثرُهما لكانت كلُّ واحدةٍ مؤثِّرةً غير مؤثِّرة، غالبةً مغلوبة، مانعةً ممنوعة، وهذا يمتنع، وهو دليلٌ٢ يشبه دليل التمانع٣.
وسرُّ الفرق أنَّ العلَّة الواحدة إذا قارنها مانعٌ منع تأثيرَها لم تَبْقَ مقتضيةً له، بل المانعُ عاقَها عن اقتضائها، وهذا غيرُ ممتنع، وأمَّا العلَّتان المتمانعتان اللتان كلٌّ منهما مانعةٌ للأخرى من تأثيرها فإنَّ تمانعهما وتقابلهما يقتضي إبطال كلِّ واحدةٍ منهما للأخرى، وتأثيرَها فيها، وعدمَ تأثيرها معًا، وهو جمعٌ بين النقيضين؛ لأنها إذا بطلت لم تكن مؤثِّرة، وإذا لم تكن مؤثِّرةً لم تُبطِل غيرَها، فتكونُ كلٌّ منهما مؤثِّرةً غيرَ مؤثِّرة، باطلةً غيرَ باطلة، وهذا محال؛ فثبتَ أنهما لا بدَّ أن تؤثِّر إحداهما في الأخرى بقوَّتها فيكون الحكمُ لها.
فإن قيل: فما تقولون فيمن توسَّط أرضًا مغصوبةً، ثمَّ بدا له في التَّوبة،
(١) (ت): «سلبه الأقوى فسلبه الأضعف».
(٢) (ت): «وهذا دليل».
(٣) تقدمت الإشارة إليه (ص: ٥٨٨).
فإن أمرتموه باللُّبث فهو محال، وإن أمرتموه بقطعها والخروج من الجانب الآخر فقد أمرتموه بالحركة والتصرُّف في ملك الغير. وكذلك إن أمرتموه بالرجوع فهو حركةٌ منه وتصرُّفٌ في أرض الغَصْب. فهذا قد تعارضت فيه المصلحةُ والمفسدة، فما الحكمُ في هذه الصُّورة؟
وكذلك من توسَّط بين فئةٍ مُثْبَتةٍ بالجِراح منتظرين للموت، وليس له انتقالٌ إلا على أحدهم، فإن أقام على من هو فوقه قَتَله، وإن انتقل إلى غيره قَتَله. فقد تعارضت هنا مصلحةُ النُّقلة ومفسدتُها على السَّواء.
وكذلك من طلع عليه الفجرُ وهو مجامِعٌ، فإن أقام أفسد صومَه، وإن نَزع فالنَّزعُ من الجماع، والجماعُ مركَّبٌ من الحركتين. فهاهنا أيضًا قد تضادَّت العلَّتان.
وكذلك ــ أيضًا ــ إذا تترَّس الكفَّارُ بأسرى من المسلمين هم بعَدَد المُقاتِلة، ودار الأمرُ بين قتل التُّرس وبين الكفِّ عنه وقتل الكفَّار لمُقاتِلة١ المسلمين. فهاهنا أيضًا قد تقابلت المصلحةُ والمفسدةُ على السَّواء.
وكذلك ــ أيضًا ــ إذا أُلقِي في مركبهم نارٌ وعاينُوا الهلاك بها، فإن أقاموا احترقوا، وإن لجؤوا إلى الماء هلكوا بالغَرق. وكذلك الرجلُ إذا ضاق عليه الوقتُ ليلة عَرفة، ولم يبق منه إلا ما يسعُ قَدْر صلاة العشاء، فإن اشتغل بها فاته الوقوف، وإن اشتغل بالذَّهاب إلى عرفة فاتته الصَّلاة. فهاهنا قد تعارضت المصلحتان والمفسدتان على السَّواء.