رفع اليدين

فيا لله العجب! كيف ينكر عليهم رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه

ــ بزعمكم ــ وهو يفعله دائمًا، وهم يشاهدونه ويأخذونه عنه، ويفعلونه في حياته وبعده، ويَحْصُب بعضُهم من لم يفعله، ويخبر عمر بن عبد العزيز: أنهم كانوا يؤدَّبون على تركه؟! وكيف لم يَنْتهوا عنه بعد هذا النهي؟! وكيف فهموا من هذا الترك الرفع عند الركوع والرفع منه، ولم يفهموا تركه عند الافتتاح؟!

أفترى إذا رُفِعت الأيدي عند الافتتاح لم تكن كأذناب الخيل؟! وإذا رُفِعت للركوع صارت حينئذٍ كأذناب الخيل فيتناولها النهي؟! إن هذا من عَجب١ العَجَب!

وأعجبُ منه أن يكون قد نهاهم عنه وأمرهم بضده، ولم يثبت عن أحدٍ منهم أنه أطاع هذا الأمر وانتهى عما نهى عنه، إلا ما يُروى [ق ٣٤] عن ابن مسعود وحده إن صح.

وأعجبُ منهما رواية الصحابة عنه ﷺ الرفعَ الذي قد نهى عنه

ــ بزعمكم ــ وتبليغه للأمة وتعليمهم إياه وإشاعتهم له مع كونه منهيًّا عنه!

فليتأمل المُنصف ما تبلغ نُصرةُ أقوال الرجال والتعصّب للمذاهب بصاحبها، فنسأل الله التوفيق بمنّه وكرمه.

  1. (١) كذا في الأصل، ولعلها: «أعجب».
110

قالوا١: ولا ندري أعَلِمَ صاحبُ هذا الاستدلال سبب الحديث، وأن القوم كانوا إذا سلَّموا من الصلاة رفع أحدُهم يدَه اليمنى مشيرًا بها إلى مَنْ عن يمينه، ثم رفع اليسرى مشيرًا بها إلى مَن عن شماله كذلك، فنُهوا عن ذلك وأُمِروا بالاقتصار على السلام، وقيل لهم: إنما يكفي أحدكم أن يسلّم على أخيه مِن عن يمينه وعن شماله: السلامُ عليكم ورحمة الله، السلامُ عليكم ورحمة الله، أم لم يعلم أن ذلك هو المنهيّ عنه؟

فإن كان لا يدري فتلك مصيبةوإن كان يدري فالمصيبة أعظم٢

قال إمام السُّنة محمد بن إسماعيل البخاري٣: «وأما احتجاج من لا يعلم بحديث وكيع، عن الأعمش، عن المسيّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سَمُرة، قال: دخل علينا النبي ﷺ ونحن رافعو٤ أيدينا في الصلاة فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس اسكنوا في الصلاة»٥، فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام، كان يُسَلِّم بعضُهم على بعض، فنهى النبيُّ ﷺ عن رفع الأيدي في التشهد. ولا يحتجُّ بمثل هذا من له حظٌّ من العلم، هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه.

  1. (١) أي القائلون بالرفع.
  2. (٢) البيت نحوه في قصيدة لصفي الدين الحلي (٧٥٠) «ديوانه» (ص ٦٥ - صادر)، وضمَّنه المؤلف قصيدته الميمية في كتابه «طريق الهجرتين»: (١/ ١١٢).
  3. (٣) «رفع اليدين» (ص/٩٠ - ٩٥).
  4. (٤) في كتاب البخاري وغيره «رافعي».
  5. (٥) تقدم تخريجه (ص ١٠٩) وهو عند مسلم.
111

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي