ولو كان كما ذهب إليه، لكان رفع الأيدي في أول تكبيرة كذلك، وأيضًا تكبيرات صلاة العيد منهيٌّ عنها؛ لأنه لم يَسْتثن رفعًا دون رَفْع، وقد بيَّنه حديثٌ حدَّثناه أبو نعيم، قال: ثنا مِسْعر، عن عبيدالله١ بن القِبْطِيَّة، قال: سمعت جابر بن سَمُرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم ــ وأشار مِسْعرٌ بيده ــ فقال: «ما بال هؤلاء يرفعون٢ أيديهم كأنها أذنابُ خَيلٍ شُمْس، إنما يكفي أحدهم أن يضع يده على فَخِذِه، ثم يسلِّم على أخيه مِنْ عن يمينه ومِنْ عن شماله».
فليحذر امرؤٌ أن يتأوَّل أن يقول٣ على رسول الله ﷺ ما لم يقل، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور/٦٣]». انتهى كلام البخاري.
فصل
* وأما قولكم: إن أبا هريرة حافظ الأمة، كان لا يرفع يديه، وهو أعلمهم بحديث رسول الله ﷺ.
فيقال: من العجب العُجاب أن يكون أبو هريرة ــ لو صحّ عنه ما ذكرتم في هذا الموضع ــ حافظ الأمة وأعلمها بحديث رسول الله ﷺ، حتى يُقدَّم
(١) الأصل و(ف): «عبدالله» تحريف، والمثبت من كتاب البخاري ومصادر ترجمته. «التاريخ الكبير»: (٥/ ٣٩٦)، و«الجرح والتعديل»: (٥/ ٣٣١).
(٢) «كتاب الرفع-ط» «يومِئون»، و(ف، ومخطوطة الرفع) غير محررة.
(٣) «كتاب الرفع-مخ» (ق ١٣) كما هنا، وفي المطبوع: «أو يتقوّل».
فعله على تلك الأحاديث الثابتة المستفيضة! وعلى فِعْل مَن ذكرنا فِعْله من الصحابة الذين هم أكثر منه عددًا، وأعظم منه قدرًا، وأعلم منه برسول الله ﷺ[ق ٣٥] وسنته، وهم الخلفاء الراشدون ومن ذُكِر معهم! ثم إذا روى حديثَ المُصرَّاة المخالف لقولكم، رُدّ حديثُه بأنه لم يكن من فقهاء الصحابة، ومستندُ الردِّ رواية أبي هريرة له؛ لأن الفقه لم يكن شأنه.
قال الشافعي١: «كلَّمْتُ محمد بن الحسن في مسألة المُصرَّاة،
(١) لم أجده في «الأم» ولعله فيما ساقه البيهقي في «كتاب الخلافيات» من مناظرات الشافعي مع محمد بن الحسن كما أشار إليها ابن الملقن في «البدر المنير»: (٣/ ٥٠٣). وللشافعي في الأم (٣/ ٢١٣) مناظرة مع محمد بن الحسن فيها تثبيت رواية أبي هريرة والاحتجاج لها، نسوقها بنصها: «قال (محمد): فكيف تنقض الملك الصحيح؟ فقلت: نقضته بما لا ينبغي لي ولا لك ولا لمسلم عَلِمَه إلا أن ينقضه به. قال: وما هو؟ قلت: سنة رسول الله ﷺ. قال: أفرأيت إن لم أثبت لك الخبر. قلت: إذًا تصير إلى موضع الجهل أو المعاندة. قال: إنما رواه أبو هريرة وحده، فقلت: ما نعرف فيه عن النبي ﷺ رواية إلا عن أبي هريرة وحده، وإن في ذلك لكفاية تثبتُ بمثلها السنة. قال: أفتوجدنا أن الناس يثبتون لأبي هريرة رواية لم يروها غيره أو لغيره؟ قلت: نعم، قال: وأين هي؟ قلت: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» فأخذنا نحن وأنت به ولم يروه أحد عن النبي ﷺ تثبت روايته غيره. قال: أجل ولكن الناس أجمعوا عليها. فقلت: فذلك أوجب للحجة عليك أن يجتمع الناس على حديث أبي هريرة وحده ولا يذهبون فيه إلى توهينه بأن الله ﷿ يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. = ... وقلت له: وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا». فأخذنا بحديثه كله وأخذت بجملته فقلت: الكلب ينجس الماء القليل إذا ولغ فيه، ولم توهّنه بأن أبا قتادة روى عن النبي ﷺ في الهرّة أنها لا تنجّس الماء. ونحن وأنت نقول: لا تؤكل الهرة فتجعل الكلب قياسًا عليها فلا تنجس الماء بولوغ الكلب، ولم يروه إلا أبو هريرة. فقال: قبلنا هذا لأن الناس قبلوه. قلت: فإذا قبلوه في موضع ومواضع وجب عليك وعليهم قبول خبره في موضع غيره، وإلا فأنت تتحكم فتقبل ما شئت وترد ما شئت. قال: فقال: قد عرفنا أن أبا هريرة روى أشياء لم يروها غيره مما ذكرت وحديث المصرّاة وحديث الأجير وغيره أفتعلم غيره انفرد برواية؟ قلت: نعم أبو سعيد الخدري روى أن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق ...» انتهى الغرض منه.