وقال ابنُ وهب: ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري: أن عمر بن الخطاب قال ــ وهو على المنبر ــ: «يا أيها الناس إنما كان رأي رسول الله ﷺ مصيبًا؛ لأن الله ﷿ كان يُرِيه، وإنما هو مِنّا الظنُّ والتكلّف»١.
وذكر أبو عمر بن عبدالبر٢ من حديث عَمرو بن حُريث، قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السّنن، أعْيتهم الأحاديثُ أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضَلّوا.
وقال محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمر بن الخطاب: أصبح أصحاب الرأي أعداء السنن، أعْيتهم أن يعوها، وتفَلّتت أن يرووها فاشتقُّوها٣ بالرأي٤.
وقال مسروق: كتبَ كاتبٌ لعمر بن الخطاب: هذا ما أرى اللهُ عمرَ، فقال: بئس ما قلت، قل: هذا ما رأى عمر. وفي رواية: هذا ما رأى اللهُ ورأى عمرُ، فقال: بئس ما قلت، إن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر٥.
(١) أخرجه ابن عبدالبر في «الجامع»: (٢/ ١٠٤١)، وابن حزم في «الإحكام»: (٦/ ٤٢).
(٢) «الجامع»: (٢/ ١٠٤٢)، وأخرجه ابن حزم في «الإحكام»: (٦/ ٤٢).
(٣) كذا بالأصل وبعض نسخ «الجامع»، وفي «الجامع» و«إعلام الموقعين»: (٢/ ١٠٢): «فاستبقوها». وفي «الإحكام»: «فاستقوها».
(٤) «الجامع»: (٢/ ١٠٤٢)، وأخرجه ابن حزم في «الإحكام»: (٦/ ٤٣).
(٥) رواه البيهقي في «الكبرى»: (١٠/ ١١٦)، وابن حزم في «الإحكام»: (٦/ ٤٨). قال الحافظ في «التلخيص»: (٤/ ٢١٤): إسناده صحيح.
وقال ابن وهب: أخبرني ابنُ لهيعة، عن عبد الله١ بن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب: السُّنة ما سَنَّه اللهُ ورسولُه، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة٢.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة٣ من حديث رفاعة بن رافع قال: بينا أنا عند عمر بن الخطاب، إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد ابن ثابت يفتي الناسَ في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: علَيَّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر قال: أي عُدَيّ٤ نفسِه! قد بلغتَ أن تفتي الناسَ برأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلت، ولكن سمعت من أعمامي حديثًا حدَّثتُ به؛ من أبي أيوب، ومن أُبيّ بن كعب، ومن رِفاعة بن رافع. فأقبل عمر على رِفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصابَ أحدُكم من المرأة فأكْسَل لم يغتسل؟ قال: قد كنا نفعل ذلك في عهد رسول [ق ٣٧] الله ﷺ، فلم يأتنا فيه من الله تحريم، ولم يكن فيه من النبي ﷺ نَهْي، فقال عمر: ورسول الله ﷺ يعلم ذلك؟ قال: لا أدري، فأمر عمر بالمهاجرين والأنصار فجُمِعوا له فشاورهم، فأشار الناس أنْ لا غُسل
(١) كذا في الأصل و«إعلام الموقعين»: (٢/ ١٠١)، والصحيح «عبيدالله» كما في «الجامع»، ومصادر ترجمته، انظر «الجرح والتعديل»: (٥/ ٣١٠)، و«تهذيب الكمال»: (٥/ ٣٠).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في «الجامع»: (٢/ ١٠٤٧)، ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام»: (٦/ ٥١). وقال المصنف في «الإعلام» عن هذه الآثار: «وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة».
(٣) رقم (٩٥٢). وأخرجه أحمد (٢١٠٩٦)، والطبراني في «الكبير»: (٥/ ٣٤ - ٣٥).