سعيد، ثنا ابن أبي الرِّجال، عن الأوزاعي، عن عَبْدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولّدون، وأبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا».
ورواه محمد بن إسحاق الصغاني، عن المُسَيَّبي، عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولَّدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا في دينهم بالمقاييس فهلكوا وأهلكوا»١.
وذكر ابن وهب، عن ابن شهاب أنه ذكر ما وقع الناسُ فيه من الرأي، وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم، حين٢ اشتقّوا الرأي وأخذوا فيه٣.
وقال الأوزاعي: عليك بآثار من مضى وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول٤.
(١) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٤٧٤).
(٢) الأصل و(ف): «حتى» والتصحيح من مصادر الأثر. وفي «الإعلام»: «حين اتبعوا».
(٣) ذكره ابن عبدالبر في «الجامع»: (٢/ ١٠٥١). وفيه: «استبقوا الرأي».
(٤) أخرجه ابن عبدالبر في «الجامع»: (٢/ ١٠٧١)، وعنه ابن حزم في «الإحكام»: (٦/ ٥٢ - ٥٣). والآجري في «الشريعة»: (١٢٧)، والبيهقي في «المدخل»: (٢٣٣).
وقال ابن أبي عمران شيخُ الطحاوي وأستاذُه، عن أبي يوسف والحسن [ق ٣٩] بن زياد قالا: قال أبو حنيفة: عِلْمُنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه١.
وذكر أبو عمر بن عبدالبر٢ عن معن بن عيسى قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلما وافق القرآن والسنة فخذوا به، وما لم يوافق [الكتاب و] السنة فاتركوه.
ولقد أصاب القائل بأنا نناشدهم الله واحدًا واحدًا، هل يفعلون هكذا؟ فوالله لئن قالوا: نعم؛ ليعلمنَّ اللهُ تعالى وأنفسُهم أنهم كاذبون، وإن قالوا: لا، أو سكتوا؛ فقد خالفوا ما يدّعون اتباعَه، وبالله التوفيق.
وقال القعنبي: دخلتُ على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلّمت ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يُبْكيك؟ فقال لي: يا ابن قَعْنب، وما لي لا أبكي ومن أحقّ بالبكاء منّي! والله لوَدِدت أني ضُرِبْتُ بكلّ مسألة أفتيتُ فيها برأيي سوطًا سوطًا، وقد كانت لي سَعَة فيما سُبِقْت إليه وليتني لم أُفْتِ بالرأي٣.
(١) ذكره ابن عبدالبر في «الانتقاء» (٢٥٧ - ٢٥٨) بنحوه. ونقله المصنف في «الإعلام»: (٢/ ١٤٣).
(٢) «الجامع»: (١/ ٧٧٥). وما بين المعكوفين منه.
(٣) رواه ابن حزم في «الإحكام»: (٦/ ٥٧) بلفظه، وابن عبدالبر في «الجامع»: (٢/ ١٠٧٢).