ثم نقول: فإذا كان الأمر كما زعمتم، فِلمَ رفعتم أيديكم في أول الصلاة؟ وهلّا حكمتم بترك الرفع في هذا المحل لِمَا ذكرتموه؟ وإن كان الرافع يشبه من يريد أن يطير، فلِمَ سوَّغتم له أن يطير في أول الصلاة ولم تسوّغوا له الطيران عند الركوع والرفع منه؟!
وبهذا أجابَ عبد الله بن المبارك لأبي حنيفة ــ رحمهما الله ــ حين صلى إلى جانبه، فرفع يديه عند الركوع والرفع منه، فلمَّا سلَّم قال له أبو حنيفة: أتريد أن تطير؟ فقال عبد الله: لو أردت أن أطير لطرت أول مرة!١
قالوا: والرفع هو من زينة الصلاة ومحاسنها، وله بكل إشارة عشر حسنات.
قال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات، ذكره الإمام أحمد عنه٢.
وقال عبد الله بن عمر: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يريد أن يرفع٣.
وقال [ق ٤٢] الشافعي وقد سُئل عن معنى رفع اليدين في الصلاة، فقال:
(١) أخرجه الكوسج عن إسحاق بن راهويه في «مسائله»: (٩/ ٤٨٤٤)، والبيهقي في «الكبرى»: (٢/ ٨٢)، وابن عبدالبر في «التمهيد»: (٩/ ٢٢٩)، والبخاري في كتاب «الرفع» (ص ١٠٧) معلقًا.
(٢) تقدم (ص/٣١).
(٣) تقدم (ص/٣١).
هو تعظيم لأمر الله وزينة للصلاة واتباع للسنة١.
وقال ابن عبدالبر٢: معنى رفع اليدين في الافتتاح وغيره: خضوع واستكانة، وابتهال وتعظيم لله ﷿، واتباع لسنة رسول الله ﷺ.
وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة.
ذكر ابن وهب قال: أخبرني عياض بن عبد الله الفهري، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها٣.
وعن ابن لهيعة، عن ابن عجلان، عن النعمان بن أبي عياش قال: كان يقال: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يريد أن يرفع٤.
وقال عقبة بن عامر: له بكل إصبع حسنة.
وقد ذكر الناس لذلك عللًا وحِكمًا كثيرة، لا تجري على علل الفقهاء وما يذكرونه من الحِكَم والمناسبات، فرأينا ترك ذكرها أولى، وليس المُعوَّل إلا على اتباع السنة، والتسليم للعبودية، والبراءة من الامتثال بدون ظهور الحكمة، فإنَّ هذا يقدح في العبودية، ويخرج عن الامتثال، بل تُتَلقى السنة بالسمع والطاعة والإذعان، سواء ظهر لنا وجه حُكمه أو لم يظهر.