[ومع ذلك] فأشهب في الفقه والجلالة والإمامة بالمنزلة التي لا تخفى. وقد [فضَّله] ابنُ عبدالحكم على ابن القاسم في الفقه.
قال أبو عمر بن عبدالبر في كتاب «الانتقاء»١: «ثنا إبراهيم بن شاكر ثنا عبد الله بن عثمان، قال: ثنا سعد بن معاذ، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبدالحكم يقول: أشهب أفقه من٢ ابن القاسم مئة مرَّة.
قال: وحدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه: أنه ذكر قول محمد بن عبد الله بن عبدالحكم لمحمد بن عمر بن لبابة، فقال: ليس هذا عندنا، كما قال محمد، وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه.
قال أبو عمر: أشهب شيخه وابن القاسم شيخه، وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته لهما وأخذه عنهما».
وأما الإمام عبد الله بن وهب، فهو من أجلِّ أصحاب مالك أو أجلّهم على الإطلاق، وكان مالك يُجِلّه ويعظّمه ويسمِّيه: الفقيه.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: ابن وهب أفقه من ابن القاسم٣.
(١) (ص/٩٧ - ٩٨).
(٢) «ومع ذلك فأشهب ... أفقه من» بياض في (ف).
(٣) كذا في الأصل و«الانتقاء» (ص/٩٤). والذي في «الجرح والتعديل»: (٥/ ١٩٠): «قال عبدالرحمن (ابن أبي حاتم): سمعت أبا زرعة يقول: سمعت ابن بكير يقول: ابن وهب أفقه من ابن القاسم». وهو الذي نقله الأئمة في كتبهم كالمزي في «تهذيبه»: (٤/ ٣١٩) والذهبي في «السير»: (٩/ ٢٢٥).
قال أبو عمر١: يقولون: إن مالكًا لم يكتب إلى أحد كتابًا يُعَنْوِنه بـ «الفقيه» إلا إلى ابن وهب. وكان رجلًا صالحًا خائفًا لله تعالى، كان سبب موته أنه قُرئ عليه كتاب الأهوال من «جامعه»، فأخذه شيء كالغَشْي، فحُمِل إلى داره، فلم يزل كذلك إلى أن قضى نَحْبَه.
قال أبو زرعة: نظرت في حديث ابن وهب ثمانين ألف٢ حديث من حديثه عن المصريين وغيرهم، فما أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له، وهو ثقة٣.
قال أبو عمر: وقد قيل: إن مالكًا روى عنه عن ابن لهيعة حديث: بيع العُرْبان، والله أعلم٤.
(١) في «الانتقاء»: (ص ٩٤).
(٢) صحح عليها في الأصل.
(٣) «الجرح والتعديل»: (٥/ ١٩٠). وذكره في «الانتقاء»: (ص ٩٤).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧٨١)، وأبو داود (٣٥٠٢)، وابن ماجه (٢١٩٢). أقول: هذا الحديث رواه «مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العربان». قال ابن عبدالبر في «التمهيد»: (٢٤/ ١٧٦): «هكذا قال يحيى عن مالك عن الثقة عنده في هذا الحديث عن عمرو بن شعيب، وتابعه قوم منهم ابن عبد الحكم. وقال القعنبي والتنيسي وجماعة عن مالك: إنه بلغه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ... وقد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع، وأشبه ما قيل فيه أنه أخذه عن ابن لهيعة، أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة؛ لأن ابن لهيعة سمعه عن عمرو بن شعيب ورواه عنه، حدث به عن ابنِ لهيعة ابنُ وهبٍ وغيره ..». وانظر «الانتقاء»: (ص/٩٣).