رفع اليدين

خَفَض ورفع على حديث ابن عمر في «الموطأ». وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علمًا ودينًا.

قال أبو عمر: فقلت له: فلم لا ترفع أنت فنقتدي بك؟ فقال لي: لا أخالف رواية ابن القاسم؛ لأن الجماعة عندنا اليوم عليها، ومخالفة الجماعة فيما قد أُبِيح لنا ليس من شِيَم الأئمة، والرفع متروك عندنا اليوم١».

فقد أخبر من تَرَك الرفعَ عن عُذْره، وأبان أنه لا عذر له سواه. ومعلوم قطعًا أن عذر الرافعين أصحّ من هذا العذر عند الله ورسوله وعباده المؤمنين، ولا يستوي عذرُ من أخبر أن تركه للرفع الثابت عن رسول الله ﷺ، وعن أصحابه، وعن إمامه برواية العدد الكثير عنه، ثم يتركه برواية واحد عن مالك، وبِتَرْك أهل بلده لهذه السنة. وعذرُ من رفعَ وقدَّم السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ، وعن أصحابه، والرواية الشهيرة عن إمامه التي رواتها أكثر وأحْفَظ.

فهذا جوابهم٢ عن قولكم: إن مالكًا راوي الحديث، وقد ترك العمل به.

وجوابٌ ثانٍ: أنه لو فُرِض صحة ما ذكرتم عن مالك ــ وحاشا وكلا ــ لم يكن موجبًا لترك العمل بالحديث؛ لأن الأخذ بما رواه الحافظ لا بما رآه. هذا قول الجمهور، وهذا لأن روايته حجة، ورأيه ليس بحجة، وترك

  1. (١) «والرفع متروك عندنا اليوم» ليست في مطبوعة «التمهيد».
  2. (٢) في الأصل غير واضحة بسبب الرطوبة، و(ف): «جوابكم» والصحيح ما أثبت.
176

الحجة لِما ليس بحجة باطل [والأخذ بما رواه] إذا كان ثقةً حافظًا [أكثر بعدًا] عن الخطأ ورأيه ليس بمعصوم. فلا نترك ما ضُمِنَت لنا فيه العصمة١ إلى ما لم تُضمن لنا فيه.

وأيضًا: إن مخالفته لما رواه يجوز أن يكون بنسيانٍ، أو غلطٍ، أو قيام مُعارضٍ عندَه ظنَّه راجحًا وليس كذلك، أو لحمله ما رواه على غير ظاهره، أو لاعتقاده نسخَه، أو لعدم صحته عنده، فتعيينُ احتمال النسخ من بين هذه الاحتمالات٢ تحكُّم لا معنى له.

وأيضًا: فإنَّ هذا المَدْرَك لو كان صحيحًا، لكان أصحاب رسول الله ﷺ أولى به؛ لأنهم أعلم بالتأويل وبالناسخ والمنسوخ، فكان أحدهم إذا روى حديثًا وأفتى بخلافه= أُخِذ بفتواه، وتُرِك ما رواه عن النبي ﷺ٣.

وقد روى ابن عباس ــ حبر الأمة وعالمُها ــ حديثَ بَريرة٤ أن النبي ﷺ خيَّرها لمّا بيعت وعَتَقَت بين المُقام مع زوجها وبين فَسْخ النكاح، فاختارت فسخ النكاح، ولم يكن بيعها طلاقًا لها. ثم أفتى هو وجماعة من

  1. (١) «وترك الحجة ... فيه العصمة» بياض في (ف).
  2. (٢) الأصل و(ف): «الاحتمال».
  3. (٣) الأمثلة الآتية في مخالفة الراوي لما رواه ذكرها المصنف أيضًا في «إعلام الموقعين»: (٤/ ٣٩٤ - ٤٠٩).
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٢٨٣)، وأحمد (١٨٤٤)، والدارمي (٢٣٣٨)، وأبو داود (٢٢٣١)، وابن ماجه (٢٠٧٥)، والنَّسائي (٥٤١٧).
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي