الحجة لِما ليس بحجة باطل [والأخذ بما رواه] إذا كان ثقةً حافظًا [أكثر بعدًا] عن الخطأ ورأيه ليس بمعصوم. فلا نترك ما ضُمِنَت لنا فيه العصمة١ إلى ما لم تُضمن لنا فيه.
وأيضًا: إن مخالفته لما رواه يجوز أن يكون بنسيانٍ، أو غلطٍ، أو قيام مُعارضٍ عندَه ظنَّه راجحًا وليس كذلك، أو لحمله ما رواه على غير ظاهره، أو لاعتقاده نسخَه، أو لعدم صحته عنده، فتعيينُ احتمال النسخ من بين هذه الاحتمالات٢ تحكُّم لا معنى له.
وأيضًا: فإنَّ هذا المَدْرَك لو كان صحيحًا، لكان أصحاب رسول الله ﷺ أولى به؛ لأنهم أعلم بالتأويل وبالناسخ والمنسوخ، فكان أحدهم إذا روى حديثًا وأفتى بخلافه= أُخِذ بفتواه، وتُرِك ما رواه عن النبي ﷺ٣.
وقد روى ابن عباس ــ حبر الأمة وعالمُها ــ حديثَ بَريرة٤ أن النبي ﷺ خيَّرها لمّا بيعت وعَتَقَت بين المُقام مع زوجها وبين فَسْخ النكاح، فاختارت فسخ النكاح، ولم يكن بيعها طلاقًا لها. ثم أفتى هو وجماعة من
(١) «وترك الحجة ... فيه العصمة» بياض في (ف).
(٢) الأصل و(ف): «الاحتمال».
(٣) الأمثلة الآتية في مخالفة الراوي لما رواه ذكرها المصنف أيضًا في «إعلام الموقعين»: (٤/ ٣٩٤ - ٤٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (٥٢٨٣)، وأحمد (١٨٤٤)، والدارمي (٢٣٣٨)، وأبو داود (٢٢٣١)، وابن ماجه (٢٠٧٥)، والنَّسائي (٥٤١٧).
الصحابة١ بأنَّ بيع الأمة طلاقها، فأخذ الأئمةُ الأربعة وغيرُهم بروايته دون فتواه ومذهبه، وهذا هو الواجب لِما قدَّمناه، إذ ما رواه حُجَّةٌ يجب اتباعها، وليس مذهبه الذي قد نازعه فيه غيره حجة يُقدَّم على النص.
هذا، وهو من قد استُجيبت فيه دعوة رسول الله ﷺ، بأن يفقِّهه الله في الدين ويعلِّمه التأويل، فكيف تكون روايةٌ عن إمام قد خالفها روايةُ جماعةٍ عنه، وخالفه غيره من الأئمه مُقدَّمةً على النصوص الثابتة الصحيحة؟! والله المستعان.
وقد احتجُّوا٢ على أن القيء يفطِّر الصائم بالحديث الذي رواه [ق ٥٧] أبو داود والترمذي وغيرهما، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من ذَرَعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عامدًا فعليه القضاء»٣. وهو حديث حسن.
وقد روى يحيى ابن أبي كثير، عن عمر بن الحكم: أن أبا هريرة كان لا
(١) «من الصحابة» تكررت في الأصل.
(٢) (ف): «اتفقوا» خطأ.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (٢٦٧٦). قال الترمذي: «حديث أبي هريرة حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد (يعني البخاري): لا أراه محفوظًا. قال الترمذي: وقد رُويَ هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولا يصح إسناده» اهـ. وصححه ابن حبان والحاكم والنووي، وحسنه المنذري وابن المُلقِّن والمصنف. انظر «البدر المنير»: (٥/ ٦٦٠ - ٦٦١).