الصحابة١ بأنَّ بيع الأمة طلاقها، فأخذ الأئمةُ الأربعة وغيرُهم بروايته دون فتواه ومذهبه، وهذا هو الواجب لِما قدَّمناه، إذ ما رواه حُجَّةٌ يجب اتباعها، وليس مذهبه الذي قد نازعه فيه غيره حجة يُقدَّم على النص.
هذا، وهو من قد استُجيبت فيه دعوة رسول الله ﷺ، بأن يفقِّهه الله في الدين ويعلِّمه التأويل، فكيف تكون روايةٌ عن إمام قد خالفها روايةُ جماعةٍ عنه، وخالفه غيره من الأئمه مُقدَّمةً على النصوص الثابتة الصحيحة؟! والله المستعان.
وقد احتجُّوا٢ على أن القيء يفطِّر الصائم بالحديث الذي رواه [ق ٥٧] أبو داود والترمذي وغيرهما، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من ذَرَعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عامدًا فعليه القضاء»٣. وهو حديث حسن.
وقد روى يحيى ابن أبي كثير، عن عمر بن الحكم: أن أبا هريرة كان لا
(١) «من الصحابة» تكررت في الأصل.
(٢) (ف): «اتفقوا» خطأ.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (٢٦٧٦). قال الترمذي: «حديث أبي هريرة حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد (يعني البخاري): لا أراه محفوظًا. قال الترمذي: وقد رُويَ هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولا يصح إسناده» اهـ. وصححه ابن حبان والحاكم والنووي، وحسنه المنذري وابن المُلقِّن والمصنف. انظر «البدر المنير»: (٥/ ٦٦٠ - ٦٦١).
يرى القيء يفطِّر الصائم١. فأخذوا برواية أبي هريرة، وتركوا رأيه ومذهبه.
وأيضًا: فقد روى ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ أمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة في عُمرة القضاء، وأن يمشوا بين الركنين٢. وقال ابن عباس: ليس الرَّمَل بسنة٣. وهو راوي الخبر، فأخذ الناسُ بروايته وتركوا رأيه.
(١) قال البخاري في صحيحه قبل رقم (١٩٣٨): «قال لي يحيى بن صالح ثنا معاوية بن سلام ثنا يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي هريرة ﵁: إذا قاء فلا يفطر إنما يُخْرج ولا يُولج. قال: ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح». وانظر «تغليق التعليق»: (٣/ ١٧٥ - ١٧٨)، و«الفتح»: (٤/ ١٧٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٦).
(٣) أخرج مسلم (١٢٦٤) «عن أبي الطفيل: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة أطواف أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، فقال: صدقوا وكذبوا ..» الحديث. قال النووي: «يعني صدقوا في أن النبي ﷺ فعله وكذبوا في قولهم: إنه سنة مقصودة متأكدة؛ لأن النبي ﷺ لم يجعله سنة مطلوبة دائمًا على تكرر السنين، وإنما أمر به تلك السنة لإظهار القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى. هذا معنى كلام ابن عباس. وهذا الذي قاله من كون (الرّمَل) ليس سنة مقصودة هو مذهبه، وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم فقالوا: هو سنة في الطوفات الثلاث من السبع، فإن تركه فقد ترك سنة وفاتته فضيلة، ويصح طوافه ولا دمَ عليه». «شرح مسلم»: (٩/ ١٠).