وأخذَ أصحابُ أبي حنيفة بحديث ابن عباس مرفوعًا: «كلُّ الطلاق جائز إلا طلاق المَعْتوه»١. وهو حديث ضعيفٌ باتفاق أهل الحديث، فيه عطاء بن عجلان ضعيف جدًّا.
وقد صحَّ عن ابن عباس أنه قال: ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق٢. فأخذوا بروايته التي لم تثبت عنه وتركوا رأيه، مع أنه صحيح عنه، وقالوا: الاعتبار بما رواه لا بما رآه.
وأيضًا: فقد رُوي عن ابن عمر: أنَّ النبيّ ﷺ نهى عن بيع الغَرَر٣.
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل: (٥/ ٣٦٦) من طريق عطاء بن عجلان عن عكرمة بن خالد به. وأخرجه الترمذي (١١٩١)، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٠٦٩) من طريق مروان بن معاوية الفزاري عن عطاء بن عجلان، عن عكرمة بن خالد عن أبي هريرة بنحوه. فجعله من مسند أبي هريرة. قال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث». أقول: بل اتُّهِم بالكذب، وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨٢١٣، ١٨٢١٤)، وغيره عن عليّ موقوفًا عليه بسند صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٣٣٠) وفي سنده عبد الله بن طلحة، لم يُذكر بجرح ولا تعديل، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر «تهذيب التهذيب»: (٥/ ٢٣٦).
(٣) أخرجه أحمد (٦٣٠٧)، وابن أبي شيبة (٢٠٨٨٦)، والبيهقي: (٥/ ٣٣٨)، وأصله في الصحيحين، البخاري (٢٢٥٦)، ومسلم (١٥١٤).
وصحَّ عن ابن عمر: أنه اشترى جملًا شاردًا١. فأخذ الناسُ بروايته وتركوا رأيه، ولم يقولوا في هذه المواضع وأمثالها: لم يخالف الراوي الحديث إلا وهو منسوخ عنده.
ونخصُّ أصحابَ مالك بأن عليًّا روى عن النبي ﷺ في الصلاة «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»٢. ورُوي عنه أنه لم يرَ التسليمَ من الصلاة فرضًا٣. فأخذوا بروايته ولم يلتفتوا إلى مذهبه، ولم يقولوا: مخالفته للحديث تدل على نسخه عنده.
ونخصُّ أصحابَ أبي حنيفة بأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ من طريق علي. وابن عباس: أن الصلاة الوسطى صلاة العصر٤. وقد ثبت عن عليٍّ وابن عباس أنها الصبح٥، فلم يلتفتوا إلى مذهبهما، وأخذوا بروايتهما.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٨٩٤)، وعنه ابن حزم في «المحلى»: (٨/ ٣٩١).
(٢) تقدم تخريجه (ص/٦٣).
(٣) أخرج الطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (١/ ٢٧٣) من طريق عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته.
(٤) حديث علي أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧). وحديث ابن عباس أخرجه أحمد (٢٧٤٥)، والطبراني في «الكبير»: (١١/ ٣٢٩).
(٥) أخرجه عنهما مالك في «الموطأ» (٣٧٠) بلاغًا، وأخرجه موصولًا عن ابن عباس ابنُ أبي شيبة (٨٧١٧) وغيره. أما علي ﵁ فكأنه رجع عن هذا القول، فقد قال أحمد في «المسند» (١٣١٤): «حدثنا بهز حدثنا همام عن قتادة عن أبي حسان عن عَبيدة قال: كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح قال: فحدثنا علي ﵁ أنهم يوم الأحزاب ... = = ... اقتتلوا وحبسونا عن صلاة العصر فقال النبي ﷺ: «اللهم املأ قبورهم نارًا أو املأ بطونهم نارًا كما حبسونا عن صلاة الوسطى». قال: فعرفنا يومئذ أن صلاة الوسطى صلاة العصر». وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني»: (١/ ١٧٣) من طريق آخر عن علي.